أصيب (رودا) بهزيمة نكراء، وقتل في المعركة، وكاد الجيش يتفكك ويندثر، لولا أن قيض الله له شابًا من بين المحاربين تزعمه، فأخذ يجمع شمله، ويبث فيه روحًا جديدًا؛ فلم ينقض وقت طويل حتى انقلبت الهزيمة إلى هجوم، ثم انته الهجوم إلى مطاردة للعدو، فاكتساح كامل له. واصبح هذا الشاب قائدًا للجيش، ولقب نفسه بالأمير الأسود، إذ كان يرتدي السواد دائمًا. . . ولم يقتصر هذا الأمير على تطهير البلاد من جيش العدو، بل تابع زحفه في جرأة غريبة، ففتح (مملكة الغرب) بأسرها، وأخضعها لسلطان مصر، فصارت تابعة لها. . .
كانت (رنسي) المدينة ذات أربعة المعابد وخمس المسلات حاضرة مصر الثانية، تحتفل احتفالًا شائقًا بقدوم الجيش المنتصر، وعلى رأسه أميره الأسود، فقد عاد محملًا بأسلاب وغنائم لم يأت بها قائد منتصر من قبل. وكان موكبه حافلًا بالأسرى العظام من الأمراء والحكام وسراة الدولة المغلوبة. أما بقية الأسرى من الدهماء، فقد اكتفى بقطع أيديهم، وأطلق سراحهم، حتى لا يعطلوا سير الموكب بكثرة عددهم. ولكنه احتفظ بتلك الأيدي، فحملها معه ليقدمها إلى فرعون، رمزًا للخضوع والطاعة!
وتمت مراسيم الاستقبال في عظمة وفخامة جديرتين بالقائد العظيم والفاتح الكبير!. . . ولكن الأميرة (أشمس) أولى أميرات البيت الفرعوني، تخلفت عن حضور الاحتفال، وأرسلت تعتذر لفرعون. وكان فرعون يعرف شذوذ طباعها واعتزالها العالم، فقبل عذرها على مضض. ولكن رسول الأمير الأسود جاءها يحمل من الأمير نفسه رغبته في زيارتها قبل الغروب لأمر ذي بال؛ فلم تجد مخلصًا من استقباله، وأمرت أن يعدوا القصر لهذا القدوم.
وأخذ الأتباع يعلمون بجد واهتمام في تزيين القصر، فما كادت الشمس تؤذن بالغروب حتى برز القصر في غبشة الظلام كأنه قطعة من لؤلؤ تتألق؛ وانتشر الطيب الذكي في أرجائه، فكأنه روضة فواحة من الأزاهر النضرة.
وجاء الأمير في الموعد في حفل من قواده، ودخل القصر وهو يضرب بقدميه الصلبتين الأرض ضربات شديدة تردد صداها جوانب المكان، ويلتفت يمنة ويسر بوجهه الرائع الذي تنم كل لمحة من لمحاته على رجولة قوية قاسية. وكانت لعيونه الواسعة إشعاعات قوية