يعرف الطريق العملي إلى ذلك، وثانيًا لأنه شديد الحساسية متناه في الاعتزاز بكرامته فيفر بها حتى من وجه الحبيب! أما الأديب (المصنوع) فهو قد ركب في (القالب) الخطأ وقبله وانصب فيه، ومحنته أولًا في (التركيب) الذي ركب فيه، وثانيًا في الحقد المتأصل في نفس صغيرة بالفطرة وبالتربية، وثالثًا فيما يحاوله لبلوغ مرتبة العبقرية والعبقرية منحة من السماء
هذا فيما يختص بالعناصر الداخلية أو كما يسميه الدكتور جوردون صاحب كتاب (العصبي وأصدقاؤه) (ضغط الظروف) فهو الذي باصطدامه مع تلك العوامل التي ذكرناها يسبب المرض العصبي، وذلك الاصطدام منشؤه عند العبقري عظم الفرق بينه وبين البيئة، وعند الأديب المصنوع الفرق بين ما يتعاطاه وما يحاول أن يصل إليه
هذا موجز لمرضى الأدباء مرضًا نفسيًا، أما أمراضهم الجسمية فمسببة عن اضطراب ذواتهم وقلقلة حياتهم. فهم قوم مسرفون في التفكير، ينامون قليلًا ويأكلون قليلًا - وأكثر الأدباء فقراء! وشذوذهم يدعوهم إلى تناول أطعمة شاذة، وقد يستعينون بالمنبهات على إدمان العمل ووفرة الإنتاج
وهم في مصر قليلو الرياضة، ولذلك يمرضون بالكبد والمعدة وأكثرهم يأتوننا شاكين من اضطراب القلب، وليس في قلوبهم مرض. وإنما منشأ علتهم فرط ذكائهم واطلاعهم فهم يقلبون كتب الطب فيفهمونها نصف فهم، ثم يتحسسون قلوبهم وأكبادهم ويتخيلون في المرض كما يتخيلون في الأدب.
إبراهيم ناجي