والأواخر) إلى غير هذه النعوت التي تدور كلها حول محور الرواية والحفظ والجمع والاستيعاب
فإذا نظرنا إلى الجاحظ وإلى من هو أقل من الجاحظ مكانًا فإنا لا نجد في عصرنا من يشابهه أو يقاربه، ولا نريد أن نجده. والأدب والشعر ورواية الغريب التي هي بضاعة الجاحظ وغيره من فحول الأدب السوالف (إذا نظرنا إلى الأدب هذه النظرة) هذه البضاعة لا تساوي شيئًا، ولا نأسف لأنا لا نجد في عصرنا من يوزن بالجاحظ فيها. فعندنا خزائن الكتب أرحب وأوسع وأصدق وأيسر من صدر الجاحظ ومن روايته
أما الآن، فنحن ننظر إلى الأدب على أنه فن قائم على قواعد وأصول، وعلى أنه أسلوب وفكرة، أو على أنه أسلوب فقط. نحن ننظر إلى الأدب على أنه شيء من هذا أو هذا كله، أو على أنه شيء غير هذا وذاك. ولكنه مهما يكن، فليس هو الجمع والحفظ والاستيعاب والرواية للغريب والشعر. فإذا وزنا أدب الجاحظ بهذا الميزان الجديد للأدب، فقد خف وزنه ولم يبق منفردًا ولا فذًا منقطع النظير والأقران في عصرنا
فمقدار الثقافة التي كان يتميز بها الجاحظ ونوع هذه الثقافة لا وزن له ولا قيمة في عصرنا. وتلميذ في الأزهر أو في مدرسة ثانوية يعرف من الجغرافيا ومن حقائق التاريخ ومن علوم الطبيعة أكثر وأصدق مما نجد في كتب الجاحظ من الحيوان إلى البيان والتبيين. بل يعرف من ذلك ومن حقائق العلوم أكثر وأصدق مما يعرف أدباء العرب جميعًا في جميع العصور، وليس ذلك عيبًا فيهم، فقد كانوا يعرفون أكبر قسط وأصدق قسط من علوم عصرهم ومعارفه
وليس مطلوبًا منهم أكثر من ذلك، ولكنه لا يجعلهم أعظم شأنًا، ولا أكبر مكانًا من كاتب متوسط في عصرنا
وأما أسلوب الجاحظ وبصره بالأدب على قواعده التي أشرنا إليها منذ قليل، فهو الذي يصح أن نقيم له وزنًا وأن نقارن بينه فيه وبين كتابنا وأدباءنا المعاصرين. وهذه المقارنة نرجو أن يسمح لنا فضيلة الأستاذ الأكبر، وأن يسمح لنا صديقنا الدكتور زكي مبارك، إذ نقول أنها لن تخرج بنا إلى النتيجة التي توافقنا عليها. فالجاحظ وغير الجاحظ من فحول الأدب القديم نستطيع أن نجد لهم شبيهًا وقرينًا في عصرنا هذا.