هذا الصديق يهمني جدًا، لأنه لم يعرف بعد فراقي كيف يكون صدق الإخاء
هذا الصديق يهمني جدًا، لأنني خلقت منه عدوًا عظيمًا، وأنا أتخيَّر أعدائي كما أتخيَّر أصدقائي. ولكن أين الخطاب؟
هذه أوراق وأوراق وأوراق. هذه مئات من الرسائل التي تشهد بأني كنت على صلات مع أرواح جاذبتُها زمنًا أطراف المحبة والعتاب
رباه! متى تعود أيامي؟ متى تعود؟!
ثم تشاء الأقدار أن أجد الخطاب المنشود، وبخط (توفيق) الذي صار من أيام دكتورًا في الحقوق من الجامعة المصرية
تشاء الأقدار أن أجد الخطاب الذي يقول:
(أحمد الله إليك على ما أنت فيه من رضًا بالإقامة في باريس، وأتمنَّى لك المزيد من هذا الرضا، كما أتمنى أن تنتفع بأيامك فر فرنسا إلى أبعد حدّ ممكن، وتقبَّل من السيدة ومني تحية خالصًا وشكرًا جميلًا)
وتاريخ الخطاب 26 يولية سنة 1928
وقد ابتسمتُ حين وجدت (تحية خالصًا) فهي غلطٌ من (توفيق) لا من الدكتور، إلا أن يكون لها وجه ضعيف!
ثم ماذا؟
ثم تشاء الأقدار أن أجد خطابًا للدكتور طه كتبه إليّ من الإسكندرية، وفيه يقول:
(صديقي العزيز الدكتور زكي مبارك
أنا مَدين لكٌ بشُكر كثير: فقد قرأت كتابيك وتسلمتُ السَّفرين اللذين تفضَّلت بإرسالهما إليّ. ولست أدري كيف أشكر لك عنايتك بفلسفة ابن خلدون، وأنا مقتنعٌ فيما بيني وبين نفسي بأنها لا تستحق هذه الغاية. ومع ذلك فسأشتري (المقطم) منذ اليوم لأقرأ ما تكتُب لأنك أنت الذي سيكتبه لا لأني أنا موضوعه. وكل ما أرجوه لك أن تصدر فيما تكتبه عن الحرية الصادقة القاسية، لا عن الإخاء والمودة اللذين يدفعان في كثير من الأحيان إلى شيء من الرفق لا يخلو من إثم. وأنا أعيذ أصدقائي من أن يتورطوا من أجلي في إثم الإسراف في البِرِّ، كما أكره أن يتورطوا في إثم العقوق. وقد كنت أحب أن يقف كتابي عند هذا الحد،