انشغل عن الغدد والكيمياء جميعًا. . .
وكان في عزمه أول الأمر أن يعود إلى بيته فيستمع إلى المذياع ساعة ويطالع ساعة قبل النوم. ولكن عافت نفسه ذلك ومضى ويضرب في الأرض على غير هدى تاركا محرك خياله للخواطر السعيدة والأحلام اللذيذة والأوهام المخدرة حتى أعياه التعب وتعناه المشي؛ وكان سرى عنه بعض الشيء وأخذ يفيق من أثر النظرة، فاتجه إلى قهوة روجينا وجالس بعض صحبه حتى شارفت الساعة التاسعة. ثم خطر له أن يقضي سهرة المساء في سينما رويال - وكان قليلًا ما يجذبه مزاجه إلى ذلك - فسار بلا تردد إلى السينما وابتاع التذكرة. وكان يكره الانتظار جالسًا فدلف إلى الصور المعلقة بالردهة الخارجية وقلب فيها عينيه، ثم أولاها ظهره ملالًا وأرسل بناظريه إلى مدخل السينما يشاهد جمهور الداخلين. فرأى سيارة فخمة تقف أمام مدخل السينما، وفتح بابها ونزلت منها سيدة بدينة بادية النعمة والثراء تبعتها على الأثر فتاة حسناء انخلع لرؤيتها قلبه في صدره وأحس بفرح عجيب تمازجه دهشة، فلم تتحول عنها عيناه. وفاته في ذهوله أن يرى ضابط بوليس شاب يبرز من الباب الثاني للسيارة ويدور حولها بسرعة ويلحق بالسيدة والفتاة. وانعطف رأس الفتاة إليه - وكانت فتاته دون سواها - كأنما جذبتها قوة بصره المشوق فالتقت عيناهما، ولاح على محياها الجميل الاهتمام والدهشة ورقت نظرتها بالحنان الذي حيره وفتنه منذ حين. فتبعها في خطى مضطربة ملبيًا نداء وقوة عاتية. وصعدت الفتاة مع الصاعدين إلى الطابق الثاني فوقف في الردهة يتابعها بعينيه. ورآها قبل أن يغيبها عن ناظريه منعطف السلم تلقي عليه نظرة أخرى. . . يالها من نظرة. . . فاستخفه طرب جنوبي عذب لا يتأتى لغير الموسيقى وصفه. واندفع إلى الداخل لا يلوي على شيء، فلما اطمأن به مقعده مضى يصعد نظره في (الألواج والبناوير) باحثًا عن الوجه الحبيب ذي النظرة الفاتنة الحنون. حتى وجد ضالته في (البنوار) رقم (3) ، وكانت تتقدم السيدة لقامتها الهيفاء. والتقت نظرتها بوجهه هذه المرة أيضًا، وكأنها كانت تتوقع أن تجده مجدًا في العثور عليها فارتسم على شفتيها القرمزيتين شبه ابتسامة أضاء لها وجهها بنور بهي. وجلست وهي ترنو إليه بعينيها فبدت وهي تنحني قليلًا وكأنها تحنو عليه. وأنقذه من سعادته، التي لا تحتمل، انطفاء الأنوار وانهماك الشاشة في عرض أخبار الدنيا. . . كان قلقًا مجنونًا إلى غير حد، فرحًا سعيدًا بغير حساب، يشعر