فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31305 من 65521

اكتنفته ظلمة قاسية. . . موحشة.

ومر الليل على الحداد العجوز. . . طويلًا مخيفًا، وهو يبكي وينتحب باحثًا بين غرف البيت عن شيء، لا يدرك كنهه، فقده قبل ساعات. . . ولم يكد الفجر يرسل نوره في عروق الظلام حتى قام الرجل يخطو نحو غرفة ولده حتى ولجها وتقدم إلى الفراش بخطىَ ثابتة صائحًا بالابن في صرامة: (انهض) ورفع هذا عينيه المخضلتين بالدموع فرأى أباه بثياب السفر وفي يده عصاه المثقلة بالحديد. . . فلم يتمالك نفسه من الوثوب من فراشه، وأمسك برداء الجندية ليلبسه، ولكن الأب صرخ قائلًا: (كلا. . . عليك بغيرها) .

وحين اعترضت الأم بأنه لا يملك سواها، صاح مزمجرًا: (إذًا فليأخذ من ملابسي. . . إنها لن تلزمني بعد الآن) .

قالها وهو يتناول من ابنه رداءه العسكري ثم عاود الكلام بعد حين: (هيا بنا. . .)

.. . وحين ضمهما الطريق تتابعت في ذهن الابن صور الطفولة في سرعة خاطفة فذكر تلك الأيام السعيدة حين لم تكن السنون قد أثقلت كاهله بعدُ بأعباء الدنيا. . . ولم يلبث أن أطلق من صدره آهة عميقة قال الأب على أثرها بصوت خفيض: (كريستيان. . . إليك مصنعي، فهو كل ما أملك، فخذه ما دمت قد ابتعته بدماء مواطنيك وسلامة بلادك. . . خذه ولتنعم في ظله بما تشاء، مجردًا من الشرف الذي لم تعرفه. . . أما أنا، فذاهب إلى غير رجعة. . . نعم سأوفي عنك الدين لفرنسا فبت قرير العين وعش بلا كرامة.)

.. . تساقطت دموع الابن في لحظة الوداع وانبعثت إلى حلقه غصة أوشكت أن تخمد أنفاسه فنادى أباه بصوت مبحوح: (أبـ. . . تاه)

.. . وخرجت الأم إلى الطريق صائحة: (لوري. . . لوري إلى أين. . .)

ولكنهما لم يسمعا سوى صدى صوتيهما، فقد مضى الأب في طريقه. . . ليلحق بالجيش

مضى ليكفر عن خطيئة الابن. . . الهارب.

(حمامات القبة)

حلمي مراد

المحامي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت