أجدر أنواع هذا المرض بالعناية والاهتمام، ويدلل على أنه نتيجة اضطرابات داخلية يجب أن تكون لها أسباب نفسية، وقد برهن (شاركو) في محاضراته على أنه يستطاع شفاء هؤلاء المرضى بالإيحاء في حالات تنويمهم مغناطيسيًا لأن علتهم خاضعة للإرادة وليست ظاهرة جسمية.
تأثر (فرويد) بما طالع وسمع وشاهد، وعرف أن بباريس من يعترف بأنه في معالجة الأمراض العصبية، لا يجب أن يحسب حساب الأسباب الناتجة عن الطبيعة فقط، بل الناتجة عن النفس وما وراء النفس أيضًا.
وعرف (شاركو) قدر تلميذه كما عرفه من قبل أساطين الطب النمساوي فقربه إليه، وصيره من أخصائه، ورغب إليه في نقل كتبه إلى الألمانية.
أقام (فرويد) بباريس شهورًا معدودة، ثم عاد إلى وطنه؛ وكان يشعر أن (شاركو) يسلك في علمه طريقًا غير الطريق السوي الذي يحلم به، لأن (شاركو) كان لا يزال يعني بالجسم ولا يتوجه تمامًا إلى ما يجب أن يتوجه إليه من الناحية النفسية، على أن هذه الشهور التي قضاها بباريس أذكت في نفس الطبيب الشاب إرادة حملته على التحرر من الماضي، وشجاعة دفعت به إلى السير في المنهج العلمي الذي اختطه لنفسه.
قدم (فرويد) إلى الجامعة، بعد عودته من باريس، تقريره عن الدروس التي شهدها والعلوم التي استفادها والنتائج التي انتهى إليها، فابتسم أساتذتها عندما طالعوا فيه أن في الإمكان استحداث عوارض الهستيريا في الجسم العليل، وضحكوا عندما انتهوا إلى أن هذا الداء يصيب الرجال أيضًا، وكان هؤلاء الأساتذة يعطفون عليه في أول أمره، ولكنهم أخذوا يزدرونه عندما رأوه يمعن في آرائه ولا يحيد عنها، فأقفلوا في وجهه باب الجامعة، ونحوه عن جمعية الأطباء، فلم يفز بكرسي مدرس فوق العادة إلا بعد لأي، وبعد أن توسطت له مريضة سرية من اللواتي عالجهن، وكانت ذات نفوذ فعال، وقد ظل طيلة حياته أستاذًا ملحقًا غير أصيل، وعندما احتفل ببلوغ السبعين من عمره لم تعن جمعية الأطباء بتهنئته.
على أن هذا جميعه لم يفل من عزيمة (فرويد) ولم يحط من جهوده، فقد أكب على العمل منذ صباه جادًا مجتهدًا وعاش حياته كلها على وتيرة واحدة.
أقام (فرويد) أكثر من سبعين سنة بمدينة فينا لا يغادرها؛ وقد رحل عنها بعد أن اضطر إلى