أحدهما: أن حروف الهجاء في معظم أنواع الرسم لا تمثل جميع أصوات اللغة التي تكتب بها. فقد جرت العادة مثلًا في معظم أنواع الرسم ألا يوضع لكل صوت عام أكثر من حرف هجائي واحد، مع أن الصوت العام كثيرًا ما يندرج تحته أصوات مختلفة في مخرجها ونبراتها وقوتها ومدة النطق بها وما إلى ذلك. فالصوت العام للام مثلًا ليس له في معظم أنواع الرسم الحديثة إلا حرف واحد (ل!. . .) ؛ مع أن هذا الصوت يختلف نطقه باختلاف الكلمات والمواقع. فأحيانًا ينطق به مرققًا (بالله , وأحيانًا مفخمًا (والله، وتارة ينطق به مضغوطًا عليه(أقسم بالله) وأخرى ينطق به مرسلًا (نستعين بالله) . . . وهلم جرا؛ ورسمه واحد في جميع الحالات. والصوت العام للألف اللينة ليس له في العربية إلا حرف واحد؛ مع أنه أحيانًا ينطق به مستقيمًا وأحيانًا ينطق به ممالًا. والصوت العام للجيم ليس له في العربية إلا حرف واحد؛ مع أنه في بعض اللهجات ينطق به مجردًا من التعطيش، وفي بعضها ينطق به معطشًا كل التعطيش، وفي بعضها ينطق به بين هذا وذاك.
وثانيهما: أن أصوات اللغة في تطور مطرد وتغير دائم. فالأصوات التي تتألف منها كلمة ما لا تجمد على حالتها القديمة، بل تتغير بتغير الأزمنة والمناطق، وتتأثر بطائفة كبيرة من العوامل الطبيعية والاجتماعية واللغوية: فأحيانًا يسقط منها بعض أصواتها القديمة، وأحيانًا تضاف إليها أصوات جديدة، وتارة يستبدل ببعض أصواتها أصوات أخرى، وتارة تحرف أصواتها عن مواضعها فيختل ترتيبها القديم. . .؛ وقد ينالها أكثر من تغير واحد من هذه التغيرات. على حين أن الرسم لا يساير النطق في هذا التطور، بل يميل غالبًا إلى الجمود على حالته القديمة أو ما يقرب منها؛ فلا يدون الكلمة على الصورة التي انتهت إليها أصواتها، بل على الصورة التي كانت عليها من قبل؛ وهذا هو منشأ الخلاف في معظم اللغات الأوربية الحديثة بين النطق الحالي لكثير من الكلمات وصورتها في الرسم. فمعظم وجوه الخلاف ترجع إلى جمود الرسم وتمثيله لصور صوتية قديمة نالها مع الزمن كثير من التغير في ألسنة الناطقين باللغة.
هذا، وللرسم في حياة اللغة ونهضتها آثار تجل عن الحصر، فبفضله تضبط اللغة وتدون آثارها، ويسجل ما يصل إليه الذهن الإنساني، وتنشر المعارف وتنتقل الحقائق في الزمان والمكان. وهو قوام اللغات الفصحى أو لغات الكتابة ودعامة بقائها. وبفضله كذلك أمكننا