وقضى توبال قايين أيامًا طوالًا يقض مضجعه التفكير في محنته، وقد أمسكتا يداه عن العمل، فما إن تطرقان قضيبًا أو تضرمان لهيبًا
وإنه لكذلك، إذ نهض ذات يوم بوجه متهلل ضحوك، وعينين ملتمعتين ببريق الرجاء والأمل، وشمر عن ساعده المفتول ليستأنف عمله من جديد؛ بيننا ارتفع لهيب أتونه المضطرم في الجو عاليًا، وترامى الهواء من حوله بشرر كالقصر
وراح توبال قايين يغني وهو يعمل قائلًا: ألا بورك في هذه من صنعة. . . فما للسيوف دون غيرها نصقل الحديد أو نطرق المعدن. وأتم في هذه اللحظة عمل أول سكة لمحراث!
وكان الناس قد لقنوا الحكمة من ماضيهم، فتصافحت أيمانهم على عهد من المودة وثيق؛ ثم أغمدوا سيوفهم وركزوا رماحهم وأقبلوا على الأرض المدرة المعطاء يفلحونها ويجنون يانع ثمراتها وهم يغنون:
لنشكر جميعًا صديقنا الطيب توبال قايين، هذا الذي حقن دماءنا وحفظ ذماءنا؛ ولنتقدم إليه من الحمد بأبلغه ومن الثناء بأجزله على ما أولانا من صنعة هذا المحراث النافع
على أنه ترفع الفتنة يومًا رأسها، أو يطمع في السيطرة علينا طاغية متجبر؛ فلنكن مع شكرنا له على الانتفاع بمحراثه، غير جاحدين له مزية الدفاع بسيفه.
(جرجا)
محمود عزت عرفة