وهكذا دواليك من هذه المزاعم التي يلحظ فيها الإنسان أثر الصنعة، ولا نعرف من أين غلب على الرواة هذا الظن، لعلهم ظنوه قلد جميلًا في غزله، دون أن يعرف قلبه هذا الحب المبرح. . والذي نعتقده ونحن ندرس شعره الذي تركه في عزة، فنرى اللوعة وبرح الهوى ووقدة العاطفة، أنه أحب عزة حبًا قويًا جارفًا كما يقولون، وكان من أثر هذا الحب أن زفر بهذا الشعر الذي يحمل نجيع القلب، وذوب العاطفة؛ وهاك ما قاله فيها لما أخرجت إلى مصر، ولك أن تحكم:
وقال خليلي مالها إذ لقيتها ... غداة السنا فيها عليك وجوم
فقلت له إن المودة بيننا ... على غير فحش والصفا قديم
وإني وإن أعرضت عنها تجلدًا ... على العهد فيما بيننا لمقيم
وإن زمانًا فرق الدهر بيننا ... وبينكم في صرفه لمشوم
ولكن أنى لهذا الحب أن يدوم وقد فترت دواعيه. فمن الرواة من يشك في أن كثير رأى عزة واجتمع بها، والذي صح عندنا أنه رآها، ولكن في مرات معدودة، وأنها لم تكن تبادله الحب قويًا كحب بثينة لجميل بن معمر، فمن هنا مال لغيرها وقصد القصائد في أم الحويرث، وأخرى أسمها ظلامة، والمرء إذ يطالع شعره في هاتين، يراه بارد العاطفة ركيك الصنعة.
تقطع من ظلامة الوصل أجمع ... أخيرًا على أن لم يك الوصل ينفع
وقس هذا بهذين البيتين يقولهما في عزة:
واجمع هجرانًا لأسماء إن دنت ... بها الدار لا من زهده في وصالها
فإن شطحت يومًا بكيت وإن دنت ... تذللت واستكثرتها باعتزالها
وأخيرًا فشعره في عزة هو الذي زاد في ذخيرة الأدب الوجداني، ومحال أن يكون مجرد صياغة وصناعة.
عمان
عبد الحليم عباسي