حتى الرجل الذي كانت تخشى سلطانه وتهواه كان أطوع لها من بنانها. وراحت تبالغ في مطالبها، لا تقف عند حد ولا تنتهي إلى غاية. وحين جاء الصيف رغبت أن يسافرا إلى الإسكندرية فلم يجد في نفسه قوة على العصيان وهو يعلم أن أكلاف الاصطياف هناك فوق ما يتحمل مرتبه الضئيل. . وقضيا في المصيف شهرين استمتعت فيهما زوجة بكل ما اشتهت من حرية وانطلاق، وكان لهما في نفسه لذع ومرارة. وأخذ الحب الذي كانت تحسه لزوجها من قبل يتلاشى رويدًا رويدًا؛ لأنها بدأت تعنى بأشياء أخرى؛ وصار همها من دنياها ثوبًا جديدًا تختال به على صوحباتها، أو ليلة ساهرة فيها متاع القلب والنظر، أو سفرة إلى هنا أو هناك تجتلي من مشاهدها أنسًا وبهجة. ولم يكن يضن عليها بشيء. . ونسيت تدبير البيت وشئون الزوج؛ فكانت تقضي نهارها زائرة أو طائفة بالبيوت التجارية والحدائق ودور اللهو، وأخذت تنفلت من قيود المرأة المتزوجة قليلًا قليلًا، حتى اطمأنت إلى حريتها كاملة في الغدو والرواح، وفي السهر أيضًا؛ وتاقت لأن تبسط إرادتها إلى ما وراء جدران البيت مؤمنة بجمالها وسلطانها على القلوب!. . وألف شوكت أن يعود إلى البيت في النهار وأول الليل فلا يجد هناك غير الخادم تخلع عنه ملابسه وتهيئ له الطعام، ولم يكن ليسوءه ذلك كثيرًا، فحسبه من الزوج الحبيبة أن تكون سعيدة هانئة، وأن يستيقظ في الصباح على نغمات من صوتها الندي الرقيق، وأن يمسي ووجهها آخر ما يراه من الدنيا اليقظة. ولكن الكرة ما زالت تتدحرج ويخاف أن تبعد عن منال يمينه. .!
وعاد ليلة متعبًا مكدودًا يلتمس الراحة في البيت، ودق الباب فلم يجب أحد، وعاود الدق فلم يسمع غير الصدى يرن ثم يتلاشى في مثل ضحكة ساخرة من فم امرأة. . . ترى أين ذهبت الخادم، وأين زوجة الآن؟ لقد تعودت الغياب عن البيت كأنما لا يعنيها منه إلا أن تأكل وتنام! أليس له عليها مثل حق الأزواج؛ فما لها لا تدرك عليها واجبًا ولا تعترف له بحق؟. . وأخذ يذرع الطريق غاديًا رائحًا ويداه خلفه ورأسه إلى الأرض، يمد بصره بين حين وحين يرقب الطريق. . ورأى زوجه مقبلة في سرب من رفيقاتها تهتز أعطافهن في فتنة مغرية، ويجاهرن بالحديث عابثات ضاحكات. ورأته زوجه فقالت: (أنت هنا؟) ولم تزد، وسبقته تفتح الباب وأنصرف صواحبها. ولما اطمأن بهما المكان قال لها:
- (لقد ضايقني الانتظار يا إلهام، أين الخادم؟) . قالت: