كان مصطفى هزيلًا نحيلًا، وكان طفلًا في سنه، كهلًا في خلقه. فلست ترى فيه جذل الأطفال ومرحهم. بل وقار الرجال ورزانتهم، وكان عصي النفس عسير القياد، كثير التمرد على أوامر والدته، فإذا همت بتأديبه ثار واهتاج، وكان قليل المخالطة للداته من الأطفال مستقلًا بنفسه عنهم، اعتزل أبوه منصبه فأراد أن يعلمه الاتجار ليساعده ويعينه، ولكن أمه أرادت أن تفقهه في دينه، فأرسل إلى مكتب ليتعلم مبادئ القراءة والكتابة ويستظهر القرآن. ثم إلى مدرسة شمس أفندي حيث بدت بواكير نبوغه.
وفي ذلك الحين فجعت الأسرة بموت عائلها، فأضحت في فقر مدقع، وبؤس ملح، فلجأت زبيدة إلى أخيها فأوى إليها وعطف عليها، واحتضن مصطفى وأخرجه من المدرسة وأبقاه معه، وناط به رعي الماشية وإطعامها، ومال الفتى إلى هذا اللون من الحياة واطمئن إليه، إذ كسب منه قوة في بنيته ومتانة في صحته، ولم تزده الأيام إلا حبًا له وشغفًا به، وإباء لكل ما يرمي إلى انتزاعه منه، ولكن الأم الحكيمة لم تنزل على هوى الفتى الغرير، فأغرت أختًا لها بالإنفاق على تعليمه وكان لها ذلك. ألحق فتانا مرغمًا بإحدى مدارس سالونيك، فألفى البون شاسعًا بين حياته الأولى الحرة الطليقة، وبين حياته الجديدة السجينة المقيدة، فأضحى دائم الثورة كثير التبرم بنظام الدرس، ولكنه ظن كما كان شديد الإعجاب بنفسه، كثير التفاخر على أقرانه، قليل المخالطة لهم حتى في ألعابهم المدرسية، فإذا هموا بمضايقته والتحرش به، ناضلهم بشدة، وردهم على أعقابهم مدحورين، فاشتد بغضهم له ونفورهم منه وإنكارهم لكبريائه، حتى اشتبكوا في شجار معه وشكوه إلى أحد المدرسين فصفعه صفعة أطارت صوابه، ففر من المدرسة وعاد إلى ذراعي أمه، وعبثًا حاولت أن تعيده إليها رغم توسلها بالترغيب حينًا وبالإرهاب أحيانًا، فاقترح خاله إرساله إلى المدرسة الحربية بسالونيك، لأن التعليم فيها لا يكلفهم من النفقات كثيرًا ولا قليلًا، وهي تحت رعاية السلطان عبد الحميد، فإذا ظهر تفوق الفتى ارتفع إلى مرتبة ضابط، وإلا التحق جنديًا بالحرس السلطاني. فمستقبله على أي حال واضح مأمون. وما كانت الأم لترضى بهذا أو تميل إليه، إذ كانت تريده فقيهًا على غرارها في التقى والورع، ولكن فتانا الثائر نال منه الاقتراح كل منال، وأخذ منه كل مأخذ، فما كانت نفسه الطموح لتقنع بما تريده الأم. بل هو يريد أن يرتدي حلة الجندية التي يرتديها تربة أحمد ابن أحد جيرانهم، ويخطر بها غاديًا