على أطراف أناملي). . .
وفي ليون، يفتقد الصبي شمس (نيم) المشرقة وهوائها الطيب، فلا يجد إلا سماء قاتمة وضبابًا كثيفًا، ويُلحق بكتاب (سان بيير) ، حيث تستغرق الصلاة والترنيم معظم الوقت، والدرس أقله. . . وفي هذا الجو القابض، جو البيت المفلس، وجو المدينة القائمة الموحشة، سرعان ما يصبح ألفونس غلامًا عابثًا متمردًا شريرًا، فإذا أدخل المدرسة الابتدائية لم يرعو عن عبثه، ولم يقتصد من لهوه، بل مضى يطلق لنفسه العنان في التخلف والتغيب والهرب، ليجدف في نهر السون حينًا، ويهيم في الريف حينًا، ويعرج على المقاهي والحافات بين ذلك. . . ولكنه يطلق لنفسه العنان أيضًا في القراءة والمطالعة، فيلتهم كتب القصص ودواوين الشعر، ويعيش في عالم مسحور بعيد عن إبداع خياله، يهرع إليه ويلوذ به كلما ضاق بالبيت والمدرسة والمدينة. . . وفي الخامسة عشرة من عمره بدأ يقرض الشعر، وأخذ ينشر الأبيات تلو الأبيات في صحيفة محلية من صحف ليون، وينضد في دفتر أنيق مادة ديوان أنيق. . .
ولكن الشعر لا يقوت أصحابه. . . لا بد من كسب العيش. . . ولابد لهذا الفتى بعينه من الاعتماد على نفسه منذ سن مبكرة، لأن مالية الأسرة ما زالت مضطربة. . . هناك يأتيه نبأ وظيفة خالية، وظيفة (مشرف) في مدرسة (إلياس) الثانوية، دفعته شجاعته إلى طلبها، وأتعسه حظه بنوالها - كما يقول هو - فقد جرعته سنة مرة من العذاب القاسي في جحيم تلاميذ خبثاء، لم يطق بعدها صبرًا، بل انطلق إلى باريس يهلك في سبيلها فرنكاته المائة التي كان قد ادخرها طيلة العام لمشروع رحلة دبرها طموحه إلى مونبلييه، حيث أزمع أن يتقدم لامتحان البكالوريا. . .
ويحط في باريس فتى حالم العينين، صبوح الوجه، متهدج الصوت، حييًا كأنه عذراء. . . ولا يزال يستلهم الشعر والخيال في غرفة عالية على سطح منزل فقير، حتى يتصل - لنشر ديوانه - بصغار الأدباء والفنانين في مجالسهم وحاناتهم. . . إذ ذاك يرى ويلمس واقعًا من الحياة ساحرًا نابضًا غريبًا، حافلًا بروائع كالتي أنسها في أحلامه. . . وها هو ذا يقبل على تلك الحياة (البوهيمية) إقبال الظامئ على شراب عذب، يعب ولكنه يتذوق، ويرتوي ولكنه يستمتع ويتلذذ. . . يخرج يتسكع على أرصفة باريس، ويضرب في