تلك الحديقة جدًا جميلة على رغم تقادم عهدها، يكتنفها سور مزركش بديع التركيب يتوسطها صفان منفصلان على خط واحد من الأشجار التي شذبت أوراقها بانتظام وتحف بها الأزهار على أنواعها المختلفة، تلك الأزهار التي تفتقت أكمامها كأنها تبتسم للحياة، فحياها الندى بقطرات انتثرت عليها كأنها الماس لمعانًا، فيالها من حديقة غناء يطيب التنزه فيها والجلوس تحت ظلال أفنانها، وكان أحد أركانها يغص بخلايا النحل المصنوعة من القش والتي تنفصل عن بعضها بمسافات متباينة حيث تنقذ الشمس من ثقوبها الصغيرة ويعطر أريجها جميع أرجاء الحديقة، والنحل تحلق فوق تلك الخلايا ولها دوي مستمر، وعمالها يخضعون لأمر سيدتهم مسالمين في أعمالهم، وذلك مثل أعلى في منهاج الحياة.
ولشد ما دهشت لمنظر الحديقة الخلاب فصرت أختلف إليها في أغلب الأحايين وخصوصًا في الصباح، وأجلس حيث يطيب لي الجلوس أطالع بعض الكتب، فتغمرني النشوة وتدور في رأسي الأماني الحلوة التي يهفو لها قلبي الظامئ إلى ري من طمأنينة، فأرى خلالها الوجدان اليقظ والانفعالات النفسية الجياشة بالعواطف السامية والمثل العليا، وبينما أنا غارق في تلك الأحلام إذ رمقت خيالًا يقترب من مدخل الحديقة فأدركت بأنني لست الرجل الوحيد الذي يتردد إليها، فنهضت من مكاني لأتحقق من هذا الخيال وإذا به رجل مسن ينتعل حذاء فضي اللون ويرتدي لباسًا أحمر ضاربًا إلى الصفرة قليلًا، وعلى رأسه قبعة من الصوف يبرز منها زغب كالريش، هزيل الجسم مقطب الوجه تظهر عليه إمارات الكبر، وعيناه متوقدتان كأنهما تنظران بحذر شديد، وبيده عصا مزخرفة مقبضها من ذهب تدل على أنها تذكار قديم، فاسترعى انتباهي ذلك المنظر، وبدا السرور على محياي، فاسترقت الخطى خلف جدار تغطيه أوراق من الشجر، وأخذت أراقبه عن كثب.
وحدث في صباح يوم من الأيام أن التقينا في المكان نفسه، فقبعت تحت شجرة متسترًا بأوراقها، وقد اعتقد في نفسه أنه الوحيد في هذا المكان، فبدأ يشير إشارات واحدة تلو الأخرى ثم عن أسرار متعارفة، وأعقبها انحناء وقفز إلى الأمام قليلًا، ثم عاد إلى مكانه محتفظًا بمركزه، وأخذ يترنح كأنه وريقة غصن ينفخها النسيم، فدهشت من هذا الرقص الشاذ الهزلي، ثم أعقبها بحركات قوية فوق طاقة جسمه الهزيل كأنه ألعوبة من الورق تطيرها الرياح أنى تشاء، لا تستقر على أية حالة. فبقيت في مكاني ذاهلًا من هذا الفصل