المضحك أسائل نفسي عمن فقد وعيه منا أهو أم أنا. . .
وسرعان ما توقف عن الرقص وتقدم وانحنى في التحية كأنه أحد الممثلين البارعين فوق المسرح، ثم ارتد خطوات إلى الوزراء وقد ارتسمت على محياه ابتسامات تعبر عن قلبه الساذج، وأشار بيده نحو صفي الأشجار الجميلة.
وبعد ذلك استأنف خطاه باهتمام. ومنذ ذلك اليوم لم أتخلف عن هذه الحديقة قط لأشاهد تمثيله العجيب حيث كان لا ينقطع عن تمرينه الخاص صباح كل يوم، وقد حفزتني الرغبة للتعارف به، فاندفعت إليه بالتحية قائلًا أنه ليوم سعيد يا سيدي، فرد علي التحية قائلًا أجل أنه ليوم سعيد حقًا، ومنذ تلك اللحظة أصبحنا صديقين وفيين، وعرفت قصته فقد كان الراقص الأول في الأوبرا منذ عهد لويس الخامس عشر؛ وعصاه الجميلة كانت هبة من الكونت دي كلير يمونت، وكان عندما يتحدث عن الرقص تغمره النشوة والفرح.
وذات يوم أسر لي حاجة في نفسه، قال - لقد تزوجت لاكاستريس وسأحضرها معي كي تراها إذا رغبت في ذلك، فهي لا تأتي مبكرة إلى هذا المكان، وهذه الحديقة التي نتمتع برؤيتها هي مبعث أمانينا ووحي ذكرياتنا، وهي حديقة بعيدة العهد قل أن تشابهها حديقة أخرى.
وكثيرًا ما كنت أتردد وزوجي إلى ذلك المكان في وقت الظهيرة يوميًا. وفي يوم من الأيام نهضت باكرًا، وأخذت أتجول من مكان إلى آخر ومن شارع إلى شارع، إلى أن حان وقت الظهيرة، فاستأنفت العودة إلى الحديقة المعهودة حيث الجو ثمل حافل بالرقص والسرور فرأيت الحبيبين العاشقين، امرأة مسنة ترتدي ثيابًا سوداء، وصديقي المحب الذي كان له اليد الطولي في ذلك الاحتفال المهيب. وكانت تلك الراقصة لاكاستريس حيث كانت حاذقة بفن الرقص، فهي عشيقة الملك ومحظية الأمير.
وما إن انتهى ذلك الاحتفال اتخذنا مقعدًا فوق غصن شجرة جميلة، وكان الفصل ربيعًا. لقد هب النسيم على الغصون مشبعًا بروائح الزهور المعطرة، وأرسلت الشمس أشعتها الذهبية لتحيي تلك الزهور، وقد انعكست أشعتها فوق ما يظللنا من أوراق الشجرة نافذة من خلالها إلى دوائر صغيرة، بينما ثوب لاكاستريس الأسود قد تحول إلى بريق شديد حيث الجو هادئ والحديقة خالية وصوت العربات يسمع باستمرار.