والتصوير ليس أمرًا جديدا، أو مبتكرًا في الشعر،"وليست الصورة شيئًا جديدًا، فإن الشعر قائم على الصورة - منذ أن وجد حتى اليوم - ولكن استخدام الصورة يختلف بين شاعر وآخر، كما أن الشعر الحديث يختلف عن الشعر القديم في استخدامه للصورة" (19)
ويحق لنا أن نتساءل: هل أدرك هؤلاء النقاد أنهم عندما ينفون معرفة نقدنا القديم للصورة أنهم بذلك يسددون سهمًا مريشًا إلى صدر التراث؟ وكيف يستقيم كلامهم مع قول أحد كبار الباحثين:"على أن ما بذلته من جهد في هذا السبيل - يقصد دراسة الصورة في النقد القديم - جعلني أقتنع اقتناعًا عميقًا بأن قضية الصورة في الموروث النقدي العربي مشكلة جوهرية تحتاج لا إلى دراسة واحدة فحسب، بل إلى العديد من الدراسات الدقيقة المتخصصة" (20)
وكذلك كيف يستقيم كلامهم مع قول باحث كبير آخر:"وبذلك نجد أن دراسة الصورة قد ترسخت في هذا التراث مبحثًا متكاملًا صدر عن الفكر العربي في تمثل الشعر نشاطًا اجتماعيًا، وصناعة ماهرة، وحلل عناصر الشعر، ووازن بينه وبين التصوير، ثم حلل بناء الصورة بالإشارة إلى مادتها وما يقع في هذه المادة من نقش وتزيين، وأشار إلى مصادرها في الذهن، وجسد تأثيرها في المتلقي" (21)
ونحن إذا ذهبنا نستقصي ما جاء في كتب النقد القديم عن الصورة، فإن المقام سيطول، ولكننا سنكتفي بعرض آراء بعض النقاد القدامى الذين كانت لهم جهود بارزة في هذا الشأن، وسوف نلاحظ أن الجذور العربية لدراسة الصورة متوافرة وليست مفقودة، وإن اختلفت درجة الاهتمام - عند هؤلاء النقاد - بين إشارات ولمحات بسيطة وعابرة حينًا، وبين إدراك ووعي عميق لطبيعة الصورة وأثرها في النص الأدبي مع اهتمام بالنواحي الفنية والجمالية فيها حينا آخر0
الجاحظ (ت 255هـ)
أشار أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ إلى الصورة من خلال نظرته التقويمية للشعر, والإشارة إلى الخصائص التي تتوافر فيه، فعندما بلغه أن أبا عمرو الشيباني استحسن بيتين من الشعر لمعناهما مع سور عبارتهما، فعلق برأيه أن:"المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي, وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء, وفي صحة الطبع وجودة السبك فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير" (22)
ففي هذا النص - الذي يعد من أقدم النصوص في هذا المجال - تحدث الجاحظ عن التصوير, وقد توصل إلى أهمية جانب التجسيم وأثره في إغناء الفكر بصور حسية قابلة للحركة والنمو, تعطي الشعر قيمة فنية وجمالية لا يمكن للمتلقي الاستغناء عنها, فحينما يكون الشعر جنسًا من التصوير يعني هذا"قدرته على إثارة صور بصرية في ذهن المتلقي, وهي فكرة تعد المدخل الأول أو المقدمة الأولى للعلاقة بين التصوير والتقديم الحسي للمعنى" (23)
فالجاحظ يرى أن المعاني نابعة من التجارب الإنسانية، وهذه يشترك فيها العربي والعجمي، ومن نشأ بالبادية أو الحضر، أي أن المعاني راجعة إلى جهد صاحبها وخبراته وتجاربه وتحصيله، وإنما المعتبر عند الجاحظ - من خلال النص السابق:
*أولًا:"إقامة الوزن، وإقامة الوزن تعني موسيقى الألفاظ التي يوقعها تجانس الكلم0"
*ثانيًا: تخير اللفظ، الذي يشير إلى وعي الشاعر بصناعته، فيجعل وعيه اللغوي ميزانًا يختار بإحدى كفتيه الألفاظ المناسبة التي تعدل كفة معانيه وأحاسيسه0
*ثالثًا: سهولة المخرج، أي الخلوص من التعقيد المعنوي واللفظي، فهو نص يتدفق في يسر0
*رابعًا: كثرة الماء، وهو مصطلح يدور كثيرًا في الكتب النقدية والبلاغية القديمة، فإذا توفر في النص جعل القارئ يتلقاه بقبول حسن تاركًا تأثيره في الوجدان0
*خامسًا: صحة الطبع، الذي يومئ إلى صدق المبدع مع نفسه، ومع إبداعه، فلا يفتعل المواقف، ولا يصطنع التعبيرات0
*سادسًا: جودة السبك، لجعل العمل الأدبي وحدة متكاملة تصاغ في خلق عضوي متحد، ومتصف بالجودة التي ترتفع به عن الرداءة والارتجال، وتتمثل في الدقة والمهارة" (24) "
وقد أفاد البلاغيون والنقاد العرب الذين جاءوا من بعد الجاحظ من فكرته في جانب التصوير،"وحاولوا أن يصبوا اهتماماتهم على الصفات الحسية في التصوير الأدبي وأثره في إدراك المعنى وتمثله, وإن اختلفت آراؤهم وتفاوتت في درجاتها" (25)
قدامة بن جعفر (ت 337هـ)
(يُتْبَعُ)