فهرس الكتاب

الصفحة 1589 من 2051

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ، «أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا» أَيْ: بَيْنَ قِسْمَيْ أَحَادِيثِ ذَمِّ الْقِيَاسِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ «حَمْلُ الذَّامَّةِ» ، أَيْ: هُوَ أَنْ تُحْمَلَ الْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَمِّ الْقِيَاسِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ، وَتُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى الْحَثِّ عَلَيْهِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَصٌّ، احْتِرَازًا مَنْ تَنَاقُضِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَيُشْبِهُ هَذَا مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مَنْ مَدْحِ الشَّاهِدِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ وَذَمِّهِ، فَحُمِلَ الذَّمُّ عَلَى مَا إِذَا كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ يَعْلَمُ بِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ لَهُ بِهِ بَيِّنَةً، إِذْ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالشَّهَادَةِ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - نَوْعُ تَكَلُّفٍ وَفُضُولٍ، وَرُبَّمَا اتُّهِمَ الشَّاهِدُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، كَمَا حُكِيَ أَنَّ رَجُلَا حَضَرَ لِيَشْهَدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ، فَقَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: أَتَشْهَدُ بِهَذَا الْحَقِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَحْلِفُ، وَأُخَاصِمُ، قَالَ: فَمِنْ هَاهُنَا مَا تُقْبَلُ شَهَادَتُكَ.

وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا هِيَ فِي كِتَابِ «أَدَبِ الْفَقِيهِ وَالْمُتَفَقِّهِ» لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَهَا بِأَسَانِيدِهَا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَهِيَ وَافِيَةٌ بِالْمَقْصُودِ مِنْ إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ وَفَوْقِ الْمَقْصُودِ، وَلَمْ يَكُنِ الْكِتَابُ عِنْدِي الْآنَ حَتَّى أُثْبِتَهَا هَاهُنَا، وأَيْضًا آثَرَتُ الِاخْتِصَارَ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ أَنَّ الرَّأْيَ أَعَمُّ مِنَ الْقِيَاسِ، وَالرَّأْيُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: رَأْيٌ مَحْضٌ لَا يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ، فَذَلِكَ الْمَذْمُومُ الَّذِي لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَرَأْيٌ يَسْتَنِدُ إِلَى النَّظَرِ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ مِنَ النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالِاسْتِدْلَالِ، وَالِاسْتِحْسَانِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَوِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا. وَلِهَذَا يُقَالُ: هَذَا رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ عَنْ كُلِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت