ـــــــــــــــــــــــــــــ
اتَّحَدَتْ فِيهِمَا، لَمَا اخْتَلَفَ أَثَرُهَا، وَهُوَ الْحُكْمُ، لَكِنَّ تَعَدُّدَ الْعِلَّةِ خِلَافُ الْفَرْضِ، أَيْ: خِلَافُ التَّقْدِيرِ؛ إِذِ التَّقْدِيرُ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ بِعِلَّتِهِ. وَإِمَّا اتِّحَادُ الْعِلَّةِ"مَعَ تَفَاوُتِ الْمَعْلُولِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَقَلًا، وَخِلَافُ الْأَصْلِ شُرِعًا"; أَمَّا أَنَّهُ"مُحَالٌ عَقْلًا"; فَلِأَنَّ الْعِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ إِذَا اتَّحَدَ مَحَلُّهَا، أَوْ تَعَدَّدَ وَاسْتَوَى فِي قَبُولِهِ لِأَثَرِهَا، لَا يُؤْثِّرُ أَثَرًا مُخْتَلِفًا، بَلْ مُتَسَاوِيًا، كَالْكَسْرِ مَعَ الِانْكِسَارِ، وَالتَّسْوِيدِ مَعَ الِاسْوِدَادِ، فَإِنَّا إِذَا فَرَضْنَا جِسْمَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ فِي قَبُولِ التَّسْوِيدِ، وَسَوَّدْنَاهُمَا تَسْوِيدًا مُتَسَاوِيًا، كَانَ اسْوِدَادُهُمَا مُتَسَاوِيًا، كَالثَّوْبَيْنِ يُصْبَغَانِ بِصِبْغٍ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ"خِلَافَ الْأَصْلِ شَرْعًا"، فَلِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ وُرُودُ الشَّرْعِ عَلَى وَفْقِ الْعَقْلِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اتِّحَادَ الْعِلَّةِ مَعَ تَفَاوُتِ الْمَعْلُولِ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، فَلَوْ قَدَّرْنَا وُقُوعَهُ شَرَعًا، لَكَانَ ذَلِكَ خِلَافَ الْأَصْلِ فِي الشَّرْعِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَصْلَ مُوَافَقَتُهُ لِلْعَقْلِ، وَمُخَالَفَتُهُ لَهُ فِي التَّعَبُّدَاتِ وَنَحْوِهَا خِلَافُ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْأَصْلِ شَرْعًا، وَلَمْ نَقُلْ: إِنَّهُ مُحَالٌ شَرْعًا؛ لِأَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ وَضْعِيَّةٌ عَلَى جِهَةِ التَّعْرِيفِ لِلْحُكْمِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْوَاحِدُ مُعَرِّفًا لِحُكْمَيْنِ مُتَفَاوِتَيْنِ بِخِلَافِ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا حَقِيقَةٌ مُؤَثِّرةً يَسْتَحِيلُ فِيهَا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ:"وَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَ دُونَ حُكْمِ الْأَصْلِ"، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى امْتِنَاعِ تَفَاوُتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.