وَهُنَا مَسْأَلَتَانِ:
الْأُولَى: الْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ. لَنَا: الْأَمْرُ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ، وَلَا تَرْجِيحَ فِي الْمُبَاحِ. قَالَ: الْمُبَاحُ تَرْكُ الْحَرَامِ، وَهُوَ وَاجِبٌ، فَالْمُبَاحُ وَاجِبٌ. قُلْنَا: يَسْتَلْزِمُهُ، وَيَحْصُلُ بِهِ، لَا أَنَّهُ هُوَ بِعَيْنِهِ. ثُمَّ يُتْرَكُ الْحَرَامُ بِبَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ، فَلْتَكُنْ كُلُّهَا وَاجِبَةٌ. وَهُوَ بَاطِلٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ:"وَهُنَا"أَيْ: فِي الْمُبَاحِ،"مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: الْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ"عِنْدَ الْجُمْهُورِ"خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ"مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَتْبَاعِهِ.
وَقَوْلُهُ:"لَنَا"إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ"الْأَمْرَ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ"أَيْ: تَرْجِيحَ إِيجَادِ الْفِعْلِ،"وَلَا تَرْجِيحَ فِي الْمُبَاحِ"أَمَّا أَنَّ الْأَمْرَ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ، فَلِأَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ، وَالطَّلَبُ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ، وَإِلَّا كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى اقْتِضَاءِ إِيجَادِ الْفِعْلِ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: افْعَلْ كَذَا، يُفْهَمُ مِنْهُ اقْتِضَاءُ إِيجَادِ ذَلِكَ الْفِعْلِ لُغَةً وَعُرْفًا، فَلَوْ كَانَتْ دَلَالَةُ قَوْلِهِ:"افْعَلْ"عَلَى إِيجَادِ الْفِعْلِ وَعَدَمِهِ سَوَاءً، لَكَانَ فَهْمُ اقْتِضَاءِ الْإِيجَادِ دُونَ عَدَمِهِ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا تَرْجِيحَ فِي الْمُبَاحِ، فَلَمَّا مَرَّ فِي حَدِّهِ مِنْ أَنَّهُ خِطَابُ تَخْيِيرٍ وَتَسْوِيَةٍ بَيْنَ الْفِعْلِ وَتَرْكِهِ، وَذَلِكَ لَا رُجْحَانَ فِيهِ.