فهرس الكتاب

الصفحة 859 من 2051

ـــــــــــــــــــــــــــــ

يَكُونَ مَنْصُوصَ الْعِلَّةِ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ مَنْصُوصَ الْعِلَّةِ، أَيْ: قَدْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى عِلَّتِهِ، كَانَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ كَالنَّصِّ يُنْسَخُ، وَيُنْسَخُ بِهِ، أَيْ: يَكُونُ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا، كَمَا أَنَّ النَّصَّ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى نَصٍّ، فَإِذَا كَانَتْ عِلَّةُ الْقِيَاسِ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ النَّصِّ، صَارَ حُكْمُ الْقِيَاسِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ ; فَيَكُونُ نَصًّا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا.

مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ الْمُتَّخَذَ مِنَ الْعِنَبِ، لِكَوْنِهِ مُسْكِرًا، فَإِذَا قِسْنَا عَلَيْهِ نَبِيذَ التَّمْرِ الْمُسْكِرِ، فِي التَّحْرِيمِ، كَانَ تَحْرِيمُ هَذَا النَّبِيذِ حُكْمًا مَنْصُوصًا عَلَى عِلَّتِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: حَرَّمْتُ نَبِيذَ التَّمْرِ الْمُسْكِرِ ; فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الشَّرْعَ قَالَ: أَبَحْتُ نَبِيذَ الذُّرَةِ الْمُسْكِرِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ نَبِيذِ التَّمْرِ الْمُسْكِرِ ; الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْقِيَاسِ نَاسِخًا لِذَلِكَ، إِذَا ثَبَتَ تَأَخُّرُهُ عَنْ إِبَاحَةِ نَبِيذِ الذُّرَةِ، وَمَنْسُوخًا بِإِبَاحَةِ نَبِيذِ الذُّرَةِ إِذَا ثَبَتَ تَقَدُّمُ تَحْرِيمِ نَبِيذِ التَّمْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَحْرِيمَ نَبِيذِ التَّمْرِ، وَإِبَاحَةَ نَبِيذِ الذُّرَةِ حُكْمَانِ مُتَضَادَّانِ مَعَ اتِّحَادِ عِلَّتِهِمَا، وَهِيَ الْإِسْكَارُ ; فَكَانَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَبَحْتُ الْخَمْرَ، ثُمَّ قَالَ: حَرَّمْتُهَا، أَوْ بِالْعَكْسِ.

وَأَمَّا إِنَّ لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ مَنْصُوصًا عَلَى عِلَّتِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا وَلَا مَنْسُوخًا ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَنْصُوصَةً ; فَهِيَ مُسْتَنْبَطَةٌ، وَاسْتِنْبَاطُهَا هُوَ بِاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ، وَاجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ عُرْضَةُ الْخَطَأِ ; فَلَا يَقْوَى عَلَى رَفْعِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، بِخِلَافِ النَّصِّ عَلَى الْعِلَّةِ ; فَإِنَّهُ حُكْمَ الشَّارِعِ الْمَعْصُومِ مِنَ الْخَطَأِ ; فَهُوَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت