ورأى جد ابن زياد في طلب الشراة عزم على الخروج، فقال لأصحابه: أنه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل، مفارقين للفصل1. والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا ننتبذ عنهم، ولا نجرد سيفًا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا. فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلًا، منهم حريث بن حجل، وكهمس بن طلق الصريمي، فأرادوا أن يولوا أمرهم حريثًا، فأبى فولوا أمرهم مرداسًا، فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رباح الأنصاري - وكان له صديقًا، فقال له: يا أخي2، أين تريد? قال أريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة. فقال له: أعلم بكم أحد? قال: لا، قال: فارجع، قال أو تخاف علي مكروهًا? قال: نعم، وأن يؤتى بك! قال: فلا تخف، فإني لا أجرد سيفًا، ولا أخيف أحدًا، ولا أقاتل إلا من قاتلني. ثم مضى حتى نزل آسك - وهو ما بين رامهرمز - وأرجان - فمر به مال يحمل لابن زياد، وقد قارب أصحابه الأربعين، فحط ذلك المال، فأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه، ورد الباقي على الرسل، وقال: قولوا لصاحبكم: إنما قبضنا أعطياتنا. فقال بعض أصحابه: فعلام تدع الباقي! فقال: إنهم يقسمون هذا الفيء كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم.
ولأبي بلال أشعار في الخروج اخترت منها قوله:
أبعد ابن وهب ذي النزاهة والتقى ... ومن خاض في تلك الحروب المهالكا3
أحب بقاء أو أرجي سلامة ... وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا!
فيا رب سلم نيتي وبصيرتي ... وهب لي التقى حتى ألاقي أولئكا
قوله:"وقد قتلوا"ولم يذكر أحدًا، فإنما فعل ذلك لعلم الناس أنه يعني مخالفيه، وإنما يحتاج الضمير إلى ذكر قبله ليعرف، فلو قال رجل: ضربته، لم يجز، لأنه لم يذكر أحدًا قبل ذكره الهاء، ولو رأيت قوما ًيلتمسون الهلال فقال قائل4: هذا هو، لم يحتج إلى تقدمة الذكر؛ لأن المطوب معلوم، وعلى هذا قال
1 الفصل: قول الحق.
2 لفظ:"ياأخي"من ر.
3 ابن وهب: هو عبد الله بن وهب الراسبي.
4 ر:"قوم".