أبا بكر وعمر وعثمان بخير، ثم قال: قعدت عني فأنكرت ذلك، فذكر الرجل ربه فكمده، ثم ذكر النبي عليه السلام، ثم ذكر أبا بكر وعمر بخير، ولم يذكر عثمان. ثم أقبل على زياد فقال: إنك قد قلت قولًا فصدقه بفعلك، وكان من قولك: ومن قعد عنا لم نهجه. فقعدت. فأمر له بصلة وكسوة وحملان، فخرج الرجل من عند زياد وتلقاه الناس يسألونه، فقال: ما كلكم أستطيع أن أخبره، ولكني دخلت على رجل لا يملك ضرًا ولا نفعًا لنفسه، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فرزق الله منه ما ترون.
وكان زياد يبعث إلى الجماعة منه فيقول: أأحسب الذي يمنعكم من إتياني إلا الرجلة1 فيقولون: أجل، فيحملهم ويقول: اغشوني الآن واسمروا عندي. فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فال: قاتل الله زيادًا! جمع لهم كما تجمع الذرة2، وحاطهم كما تحوط الأم البرة، وأصلح العراق بأهل العراق، وترك أهل الشام بشأمهم3، وجبى العراق مائة ألف ألف وثمانية عشر ألف ألف.
قال أبو العباس: وبلغ زيادًا عن رجل يكنى أبا الخير، من أهل البأس والنجدة، أنه يرى رأي الخوارج، فدعاه فولاه جندي سابور وما يليا، ورزقه أربعة آلاف درهم في كل شهر، وجعل عمالته في كل سنة مائة ألف، فكان أبو الخير يقول: ما رأيت شيئًا خيرًا من لزوم الطاعة والتقلب بين أظهر الجماعة! فلم يزل واليًا حتى أنكر منه زياد شيئًا فتنمر لزياد فحبسه، فلم يخرج من حبسه حتى مات.
1 الرجلة: المشي على الرجلين.
2 الذرة: واحدة الذر, وهو النمل الصغار.
3 ر:"في شأمهم".