فكتبوا بذلك كتابًا ووضع على يدي الصلت بن حريث بن جابر الحنفي، وانتخب المهلب من جميع الأخماس، فبلغت نخبته اثني عشر ألفًا، ونظروا ما في بيت المال، فلم يكن إلا مائتي ألف درهم، فعجزت، فبعث المهلب إلى التجار: إن تجارتكم مذ حول قد كسدت، عليكم بانقطاع مواد الأهواز وفارس عنكم، فهلم بايعوني واخرجوا معي أوفكم إن شاء الله حقوقكم، فتاجروه، فأخذ من المال ما يصلح به عسكره، واتخذ لأصحابه الخفاتين والرانات المحشوة بالصوف.
ثم نهض وأكثر أصحابه رجالة، حتى إذا صار بحذاء القوم أمر بسفن فأحضرت وأصلحت، فما ارتفع النهار حتى فرغ منها، ثم أمر الناس بالعبور إلى الفرات، وأمر عليهم ابنه المغيرة، فخرج الناس، فلما قاربوا الشاطئ خاضت إليهم الخوارج، فحاربهم المغيرة ونضحهم1 بالسهام حتى تنحوا، فصار هو وأصحابه على الشاطئ، فحاربوهم فكشفوهم وشغلوهم، حتى عقد المهلب الجسر، وعبر والخوارج منهزمون، فنهى الناس عن اتباعهم. ففي ذلك يقول شاعر من الأزد:
إن العراق وأهله لم يخروا ... مثل المهلب في الحروب فسلموا
أمضى وأيمن في اللقاء نقيبة ... وأقل تهليلًا إذا ما أحجموا
التهليل: التكذيب2 والانهزام.
وأبلى مع المغيرة يومئذ عطية بن عمرو العنبري، وكان من فرسان بني تميم وشجعانهم، فقال عطية:
يدعى رجال للعطاء وإنما ... يدعى عطية للطعان الأجرد
وقال الشاعر:
وما فارس إلا عطية فوقه ... إذا الحرب أبدت عن نواجذها الفما
به هزم الله الأزارق بعدما ... أباحوا من المصرين حلًا ومحرما
فأقام المهلب أربعين يومًا يجبي الخراج بكور دجلة، والخوارج بنهر تيرى، والزبير بن علي منفرد بعسكره عن عسكر ابن الماحوز، فقضى المهلب التجار
1 نضحهم بالسهام: رماهم بها.
2 قال المرصفي:"التكذيب: مصدر كذب في القتال إذا فر ونكس".