فيصحّ الاعتكاف مقدارًا من الزمن وإن قلَّ، ولو لحظة أو ساعة [1] ، لقول الله تعالى: {وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [2] ، وهذا اللفظ عام يشمل القليل والكثير، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله يقول: (( والصواب في الاعتكاف أنه لا حدَّ لأكثره ولا لأقلِّه، وليس له حد محدود، فلو دخل المسجد ونوى الاعتكاف ساعة أو ساعتين فهو اعتكاف ) ) [3] ، والله تعالى أعلم [4] .
(1) الساعة في عرف الفقهاء جزء من الزمن، لا جزء من أربع وعشرين ساعة [الموسوعة الفقهية الكويتية، ونسبه لابن عابدين مع الدر المختار، 2/ 444، انظر: الموسوعة المذكورة، 5/ 213] .
(2) سورة البقرة، الآية: 187.
(3) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الأحاديث: 2025 - 2027.
(4) اختلف الفقهاء في مقدار اللبث المجزئ في الاعتكاف على أقوال على النحو الآتي: القول الأول: مذهب الحنابلة، والحنفية: ما يسمى به معتكفًا لابثًا، قال المرداوي في الإنصاف، 7/ 566: (( فعلى المذهب أقلَّه إذا كان تطوعًا أو نذرًا مطلقًا ما يسمى به معتكفًا لابثًا ) )، قال ابن مفلح في الفروع، 5/ 143: (( فظاهره ولو لحظة وفاقًا للأصح عند الشافعية، وأقله عندهم مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة ... ولا يكفي عبُورُه خلافًا لبعض الشافعية ) ). قال في الإنصاف، 7/ 566: (( وفي كلام جماعة من الأصحاب: أقله ساعة لا لحظة ) ).
القول الثاني: مذهب الشافعية في الأصح عندهم: تكفي لحظة، لكن لابد من اللبث في المسجد، فيكفي التردد فيه لا المرور بلا لبث، ويندب عندهم أن يكون يومًا؛ لأنه لم يرد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف أقل من يوم.
القول الثالث: مذهب المالكية: أقل الاعتكاف يوم وليلة، والمستحب أن لا ينقص عن عشرة أيام.
ودليل من قال: أقله ساعة: قوله تعالى: {وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [سورة البقرة، الآية: 187] ،وهذا يشمل القليل والكثير، وبعض ألفاظ حديث ابن عمر رضي الله عنهما في نذر عمر قال: سأل عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكافٍ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بوفائه )) . [البخاري، برقم 4320] . وهذا يشمل الاعتكاف القليل والكثير، والله أعلم.
ودليل من قال: أقل الاعتكاف: يوم وليلة؛ حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أوف بنذرك ) )، وفي رواية أنه نذر اعتكاف يوم فقال: يا رسول الله إنه كان عليَّ اعتكاف يوم في الجاهلية؟ (( فأمره أن يفي به ) )، وفي لفظ لمسلم: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ قال: (( اذهب فاعتكف يومًا ) ) [متفق عليه: البخاري، 2032، 2043، 3144، 4320، 6697،ومسلم برقم 27 - (1656) ورقم 28 - (1656) ] .
قال ابن حبان: ألفاظ هذا الحديث مصرحة بأنه نذر اعتكاف ليلة إلا هذه الرواية: (( اذهب فاعتكف يومًا ) )... فيشبه أن يكون أراد باليوم مع ليلته، وبالليلة مع اليوم، حتى لا يكون بين الخبرين تضاد. [فتح الباري لابن حجر، 4/ 274] ، وقال ابن خزيمة، 3/ 348: (( إن العرب تقول يومًا: تريد بليلته، وتقول: ليلة: تريد بيومها ) )، لكن روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال - أي عمر: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أوفِ بنذرك فاعتكف ليلة ) )، رواه الدارقطني، 2/ 199، وقال: (( هذا إسناد ثابت ) )، وهذا صريح في أنه إنما نذر اعتكاف ليلة، وعلى هذا فأقل ما ورد: يوم أو ليلة.[انظر: كتاب الفروع لابن مفلح،
5/ 143، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف، 7/ 566 - 567، والموسوعة الفقهية الكويتية،