فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 132

فهناك من لا يأبه بمناسبة الحديث للمقام، ولا بملائمته ومطابقته لمقتضى حال السامعين، فتراه يتكلم بالهزل في مواقف الجد، ويحاول إضحاك السامعين في مجلس يسوده الحزن.

قال ابن المقفع: = ولا تخلطن بالجد هزلًا، ولابالهزل جدًا، فإنك إن خلطت بالجد هزلًا هَجَّنْتَه، وإن خلطت بالهزل جدًا كَدَّرْتَه.

غير أني قد علمت موطنًا واحدًا إن قدرت تتقبل فيه الجد بالهزل أصبت الرأي وظهرت على الأقران.

وذلك أن يتورَّدَك [1] مُتوردٌ بالسفه، والغضب، وسوء اللفظ_تجيبه إجابة الهازل المداعب بِرُحْب من الذرع، وطلاقةٍ من الوجه، وثبات من المنطق+. [2]

وقال: =واتق الفرح عند المحزون، واعلم أنه يحقد على المنطلق، [3] ويشكر للمكتئب+. [4]

ومن الناس من يخاطب الأذكياء بخطابٍ لايناسب إلا قاصري العقول، وربما خاطب محدودي الذكاء والإدراك بكلام لاتدركه أفهامهم، وهكذا ...

ومن كناك يفقد الكلام قيمته، ويصبح ضربًا من الهذيان، بل ربما عَرَّضَ صاحبه للمز الناس وعيبهم إياه.

وإنَّ كلامَ المرءِ في غير كنهه ... لكا النبل تهوي ليس فيها نصالُها

(1) يتورَّدك: يحملك على أن تغتاظ أو تغضب؛ لتتخلى عن اتزانك.

(2) الأدب الصغير والأدب الكبير ص133.

(3) المنطلق: الذي يبدو الفرح على أساريره.

(4) الأدب الصغير والأدب الكبير ص159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت