بل ربما ألحق بغيره ضررًا من حيث لايشعر؛ فقد يحادث شخصًا ذا نفسٍ متوترة، مغرقة في التشاؤم، فيخاطبه على أنه إنسان سوي، فيزيد هذا الشخص توترًا، وبلاءً.
وقد يزور مريضًا، فيحدّثه بما لايناسب حاله، فيؤثر في نفس المريض، فيزيد الطين بِلَّة، والمرض علة.
ولأسباب وغيرها عني الإسلام عنايةً كبيرة بموضوع الكلام، وأسلوب أدائه؛ ذلك أن الكلام الصادر عن إنسان ما_يشير إلى حقيقة عقله، وطبيعة خلقه، ولأن طرائق الحديث في جماعة ما تحكم على مستواها العام، وتغلغل الفضيلة فيها. [1]
ثم إن طرائق الكلام تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص؛ ولهذا عُرِّفت البلاغة بأنها: مطابقة الكلام لمقتضى حال السامعين. [2]
ومن هن كان من الأهمية بما كان أن يتعرف المرء على أحوال الناس، وأن يراعي عقولهم.
فهذا الأمر دليل على جودة النظر في سياسة الأمور، وعلى حسن التصرف في تقدير وسائل الخير، وهو مما يعين على اكتساب الأخلاق الرفيعة، وعلى استبقاء المودة في قلوب الناس.
فالرجل العاقل الحكيم الحازم يحكم هذا الأمر، وينتفع به عند لقائه بالطبقات المختلفة، فتراه =يَزِنُ عقولَ مَنْ يلاقونه، ويحس ماتُكِنُّ صدورُهم، وتنزع إليه نفوسهم، فيصاحب الناس، ويشهد مجالسهم، وهو على بصيرةٍ مما وراء ألسنتهم من عقولٍ، وسرائرَ، وعواطفَ.
(1) انظر خلق المسلم ص77.
(2) انظر بغية الإيضاح لتخليص المفتاح لعبد المتعال الصعيدي 1/ 26.