وبعد أن تبين لنا ما للكلام اللين من فضل وأثر_لِقَائِلٍ أن يقول: هل اللين هو الأسلوب الذي ينبغي سلوكه مع كل أحد، ولا يُعْدَل عنه إلى غيره؟.
والجواب أن يقال: نعم هذا هو الأصل في الكلام حتى مع المخالفين كما قال_تعالى_ [ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن] (العنكبوت: 46) .
ولكن قد يعدل عنه إلى غيره حسب ما تقتضيه الحكمة ومقامات الأحوال.
مثال ذلك أن يجور علينا أثيم، فيتعدى حدوده، ويَلجَّ في عتوه ونفوره، ويتبجح في نفث سمومه وبث شبهاته.
فمثل هذا لاينفع مع اللين، بل يتعين_والحالة هذه_أن يكبح جماحه، وأن يرد عدوانه؛ ولهذا قال_تعالى_في تمام الآية السابقة في شأن مجادلة أهل الكتاب: [وإلا الذين ظلموا منهم] (العنكبوت: 46) .
ولهذا كان موسى_عليه السلام_متلطفًا مع فرعون غاية التلطف في بداية الأمر_كما مر قريبًا_وعندما رأى موسى من فرعون العناد، والاستكبار، ومحاولة الصد عن الحق بعد أن اتضح له الدليلُ، واستبانت له السبيلُ_أغلظ له في الخطاب كما في قوله_تعالى_ [وإني لأظنك يا فرعون مثبورًا] (الإسراء: 102) .
فأين هذا الخطاب من الخطاب الأول؟.
وفي نهاية المطاف، وبعد أن أيس من فرعون دعا عليه بتلك الدعوات العظيمة، التي كانت سببًا في هلاك فرعون ودماره.
[وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى