فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 132

وقال: [إلى ربك] استدعاءً لإيمانه بربه الذي خلقه، ورزقه ورباه بنعمه صغيرًا وكبيرًا+. [1]

ولولا أن هذه الكلمات النيرات المباركات الطيبات التي تأخذ باللب، وتنفذ إلى شغاف القلب لولا أنها وجدت قلبًا قاسيًا، عاسيًا، ماردًا على الكفر والطغيان_لأثّرت به، وقادته إلى الهدى والرشاد.

وكذلك قول إبراهيم الخليل لأبيه: [يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطًا سويًا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًا، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا] (مريم: 42_45)

قال ابن القيم× معلقًا على هذه الآيات: =فابتدأ خطابه بذكر أُبُوّتِهِ الدالة على توقيره، ولم يسمّه باسمه، ثم أخرج الكلام معه مخرج السؤال فقال: [لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا] ولم يقل: ما لا تعبد، ثم قال: [يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك] فلم يقل: إنك جاهل لا علم عندك بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال: [جاءني من العلم ما لم يأتك] .

ثم قال: [يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا] فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه.

وقال: =يَمَسّكَ+ فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره، ثم نَكّرَ العذاب، ثم ذكر الرحمن، ولم يقل الجبار، ولا القهار، فأي خطاب ألطف وألين من هذا؟ +. [2]

(1) بدائع الفوائد 3/ 132_133.

(2) بدائع الفوائد3/ 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت