فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 132

وإذا كان التغاضي والتغافل من أفضل خصال الحمد_فإن أحق الناس بأن تغفر زلاتهم، وتتغاضى عن هفواتهم، وتتجنب كثرة لومهم وتعنيفهم_رجالٌ عرفت عنهم المودة، ولم يقم لديك شاهدٌ على أنهم صرفوا قلوبهم عنها.

فلو أخذت تُعَنِّفُ من إخوانك كلَّ من صدرت منه هفوة لم تلبث أن تفقدهم جميعًا، ولم يبق لك على ظهر الأرض صديقٌ غير نفسك التي بين جنبيك.

والحاصل أن مايصدر من الصديق إن كان من قبيل العثرة التي تقع في حال غفلة، أو كان خطأً في اجتهاد الرأي_فذلك موضع الصفح والتجاوز، ولاينبغي أن يكون له في نقض الصداقة أثر كثير أو قليل.

قال أحدهم:

لا يُزَهِدَنَّك من أخٍ ... لك أن تراه زلَّ زلَّهْ [1]

وقال الآخر:

وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءت محاسُنه بألف شفيع

وقال الآخر:

فإن يكن الفعلُ الذي ساء واحدًا ... فأفعالهُ اللائي سررنَ ألوفُ

وأما إن كان عن زهدٍ في الصحبة، أو انصرافًا عن الصداقة_فلك أن تزهد به، وتقطع النظر عن صداقته.

وهذا موضع الاستشهاد بمثل قول الكميت:

وما أنا بالنِّكس الدنيء ولا الذي ... إذا صدَّ عني ذو المودة يقربُ

ولكنه إن دام دُمْتُ وإن يكن ... له مذهب عني فلي فيه مذهبُ

(1) روضة العقلاء ص45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت