الصفحة 106 من 883

إذًا أهل السنة والجماعة يُثبتون الأسماء على أنها أسماءٌ لله تعالى، ويُثبتون أيضًا ما دلت عليه وتضمنته من الصفة التي علمناه من جهة الاشتقاق، فالاستدلال حينئذٍ يكون من جهة الشرع ومن جهة القاعدة الصرفية المعلومة عند أربابها. فمثلًا من أسماء الله تعالى: العليم. فيُثبتون العليم اسمًا لله تعالى ويقولون: يا عليم، يا قدير، يا سميع، يا بصير. أليس كذلك؟ هل يُنادى الله تعالى بها؟ نعم، لأنه قال: {فَادْعُوهُ بِهَا} . ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الأسماء الحسنى المعروفة هي التي يُدْعَى الله بها، يعني من الضوابط بين الأسماء والصفات أن الأسماء يُدْعَىَ بها، فيقال: يا عليم. ولا يقال: يا عِلْم. ويقال: يا سميع. ولا يقال: يا سَمْعٌ. ويقال: يا بصير. ولا يقال: يا بَصَر. أليس كذلك؟ إذًا فرقٌ بين الاسم والصفة أن الاسم يُدْعَى به، يُدْعَى الله تعالى به فيقال: يا عليم.

قال رحمه الله تعالى: هي التي يُدْعَى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها - يعني بذاتها - لما تضمنته من معنًى، فيثبتون أنه يُسمى بالعليم، ويثبتون بأن العلم صفةٌ له دل عليها اسم العليم، فالعليم اسمٌ مشتقٌ من العلم، وكل اسمٍ مشتقٍّ من معنى فلا بد أن يتضمن ذلك المعنى الذي اشتق منه، وهو الوصف لأنك تقول: عليم مشتقٌّ من ماذا؟ من المصدر، دائمًا الاشتقاق إنما يكون من المصدر.

والمصدر الأصلُ وأي أصلِ ... ومنه يا صاحي اشتقاق الفعلِ

فالفعل اللغوي سواءً كان الفعل الماضي، أو الأمر، أو المضارع، أو المشتقات: كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعال التفضيل إنما تشتق كلها من المصادر، فإذا اشتق لذاتٍ من مصدرٍ نقول: لم اشتق له من ذلك المصدر؟ لأن هذه الذات اتصفت بمدلول هذا المصدر، فما قيل: عليم إلا لكون العلم صفةً له، كما أنه في شأن البشر لا يُقال: عالم، ولا يقال: نائم، ولا جالس، ولا قاعد، ولا .. إلى آخره. إلا إذا اتصفت تلك الذات وهي مخلوقة بما دل عليه اللفظ يعني المصدر الذي اشْتُقَّ منه ذلك المشتق، كذلك الشأن في حق الباري جل وعلا، وهذا أمرٌ معلومٌ في العربية واللغات جميعًا، لا خلاف بين أهل العربية في ذلك أنه لا يصح أن يُشتق لذات عند عدم الوصف، فإذا قيل: عليمٌ بلا علمٍ. هذا تناقض يعتبر كذبًا، لماذا؟ لأنك أخبرت عن ذاتٍ أنها متصفةٌ بالعلم قلت: يا عليم، ثم قلت: بلا علمٍ، هذا تناقض أثبت أولًا العلم ثم نفيته، وهذا لا يصدر عن عاقلٍ، ولذلك الأشاعرة ردوا على المعتزلة في ذلك، ولذلك يقول صاحب ... (( المراقي ) ):

وعند فقد الوصف لا يُشتق

يعني إذا كانت الذات لم تتصف بالوصف فلا يُشتق بإجماع أهل العربية.

وأَعْوَذَ المعتزليَّ الحق

يعني المعتزلي هنا في هذه المسألة الذي يقول: عليمٌ بلا علمٍ. أعوذه وأحرجه وضيَّق عليه الحق وهو هذه القاعدة، فلا يخالف إلا متناقض، ولم يرجع إلى عقله فضلًا عن العلم الصحيح: ويثبتون كذلك. إذًا يثبتون أولًا الاسم.

ثانيًا: يثبتون ما دل عليه الاسم من صفةٍ تضمنها ذلك الاسم وكل اسمٍ دالٌ على صفةٍ، ولذلك قرر أهل السنة أن أسماء الله تعالى أعلامٌ وأوصافٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت