الثاني: أن باب الصفات أوسع من باب الأسماء، فمن صفاته سبحانه الإتيان، والمجيء، والنزول، وليس لنا أن نشتق من هذه الصفات أسماءً لله تعالى، فلا يقال: الآتي، ولا الجائي، ولا النازل، أما الأسماء فيدل كل اسمٍ منها على صفةٍ كما سبق، فالرحمن، والسميع، والبصير، تدل على صفة الرحمة، والسمع، والبصر، ومن صفات الله تعالى ما يتعلق بأفعاله سبحانه كالفرح، والضحك، والغضب، وأفعاله لا منتهى لها جل وعلا.
قال ابن القيم في (( مدارج السالكين ) )الجزء الثالث صفحة أربع مائة وخمسة عشر: ودخل في أسمائه سبحانه الواجد دون الْمُوجد. يعني على من أثبته لحديث الترمذي: جاء «الواجد» . فيرى في مطلع كلامه أنه ثابتٌ وسينفي ذلك في آخر كلامه، دخل في أسمائه تعالى الواجد دون الْمُوجد. يعني لا يقال: الموجد وإنما يقال: الواجد، لماذا؟ قال: فإن الموجد صفة فعلٍ، وهو معطي الوجود كالمحيي معطي الحياة، والموجد هو معطي الوجود، وهذا الفعل لم يجئ إطلاقه في أفعال الله في الكتاب ولا في السنة، فلا يعرف إطلاق أوجد الله كذا وكذا، وإنما جاء أخرج ولم يأت أوجد، فحينئذٍ لا نأتي بالموجد لأن أصله لم يأت وهو الفعل، بخلاف يحب فنأتي بالمحبة، والمحبة لها أصل وهو الفعل في الكتاب والسنة، وإنما الذي جاء خلقه، وبرأه، وصوّره، وأعطاه خلقه .. ونحو ذلك، فلما لم يكن يستعمل فعله لم يجئ اسم الفاعل منه في أسمائه الحسنى.
ثم قال قاعدة: فإن الفعل أوسع من الاسم. كيف الفعل أوسع من الاسم؟ أفعال الله تعالى أوسع من أسمائه، لماذا؟ لأن الفعل يؤخذ منه وصفٌ ولا يؤخذ منه اسمٌ، والوصف يؤخذ من الاسم ومن الفعل، ولذلك جاء ماذا؟ أن الفعل أوسع من الاسم، فباب الأسماء أضيق من باب الأفعال، ولهذا أطلق الله تعالى على نفسه أفعالًا لم يَتَسَمَّ منها بأسماء الفاعل كـ: أراد جاء في الكتاب لكن ما جاء المريد، وكذلك جاء شاء، ما جاء الشائي جاء الفعل ولم يأت الاسم، وأحدث ولم يأت المحدث، ولم يسمِّ - يعني نفسه - أو يُسَمَّ بالمريد، والشائي، والمحدث، كما لم يسمي نفسه بالصانع، والفاعل، والمتقن .. وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه ... {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] . {صُنْعَ} جاء المصدر {أَتْقَنَ} هذا فعل حينئذٍ هل يقال الصانع؟ الجواب: لا، إلا من باب الإخبار، وسيأتي باب الإخبار. هل يقال: المتقن؟ الجواب: لا، مع كونه أطلق الفعل على نفسه، إذًا الفعل لا يُؤخذ منه اسمٌ، وإنما يؤخذ منه وصفٌ فحسب.