وأما تحريف المعنى: فهو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، يعني عن ظاهره وإعطاء اللفظ معنى لفظٍ آخر بقدرٍ ما مشتركٍ بينهما كمن فسَّر اليدَّ بالقوة، لأن اليد تأتي في لسان العرب بمعنى القوة، لكن هنا أعطاه معنى لفظٍ آخر، إذ القوة ليست هي اليد واليد ليست هي القوة، إنما المراد بإضافة اليدين إلى الله عز وجل هي الحقيقة، وتحريف المعنى يسميه القائلون به تأويلًا، ويسمون أنفسه بأهل التأويل لماذا؟ من أجل ما أن يستجلبوا قلوب من يقرأ أو من يستمع، لأنهم لو قالوا هذا تحرف نفرت عنهم القلوب والنفوس، وأما إذا سموه تأويلًا وهذا فيه مداعبةٌ للسمع والقلب، وقد يطفي على الإنسان أنه قد يقبله، لأن التأويل من حيث هو مقبول ولذلك هو منه صحيحٌ ومنه فاسد. إذًا قد يحصل فيه شيءٌ من اللبس، فلأجل أن يصبغوا هذا الكلام صفة القبول فسمَّوْهُ تأويلًا، ولأن التأويل لا تنفر منه النفوس ولا تكرهه لكن ما ذهبوا إليه في الحقيقة هو التحريف بعينه، لأنه ليس عليه دليلٌ صحيح لا من نقلٍ ولا من عقلٍ، لكن لا يستطيعون أن يسموه تحريفًا لأنهم لو قالوا ذلك لأعلنوا على أنهم مكذبون لنصوص الوحيين لأن التحريف مع التعمد ويعلم من نفسه أنه محرفٌ، هذا قد نحكم عليه بأنه مكذبٌ للنص، وإذا حكم عليه بأنه مكذبٌ للنص حينئذٍ نَزَلَ عليه الحكم وهو الكفر، لأن مَنْ كَذَّبَ نصًا بل من أنكر حرفًا مجمعٍ عليه بين القراء هو كافر مرتدٌ عن الإسلام، وهو حرف هجائي فكيف بحرف المعنى؟ فكيف بكلمة؟ فكيف بصفة لله عز وجل؟ من بابٍ أولى وأحرى. ولهذا عبر المؤلف هنا رحمه الله تعالى بالتحريف دون التأويل، لم يقل من غير تأويل، وإنما قال: (مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ) مع أن كثيرًا ممن يكتبون في هذا التصنيف أو في هذا الباب يقولون: من غير تأويلٍ. لكن ابن تيمية رحمه الله تعالى عَبَّرَ بالتحريف، وقد ذكر رحمه الله تعالى في (( المناظرة على الواسطية ) )الجزء الثالث صفحة خمسة وستين ومائة قال: فكان مما اعْتُرِضَ عليّ أو اعترض عليّ بعضهم فقال: ما المراد بالتحريف والتعطيل؟ ما المراد؟ لأنه جاء بها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وأراد الرد على الأشاعرة ونحوهم وهذا فيه تهمة لهم بأنهم يحرفون الكلم، فلما قرؤوا هذه العقيدة فإذا بها (مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ) قالوا: هذا أرادنا نحن، فحينئذٍ نحن محرفون، ماذا تعني بالتحريف والتعطيل؟ قال رحمه الله تعالى: ومقصوده أن هذا ينفي التأويل - يعني إذا سميناه تحريفًا إذًا لا يُسمى تأويلًا فهم المراد - فقال: ومقصوده أن هذا ينفي التأويل الذي أثبته أهل التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره إما وجوبًا وإما جوازًا، فقلت: فذكر كلامًا قال: وذكرتُ في غير هذا المجلس أني عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف لأن التحريف اسمٌ جاء القرآن بذَمِّه، التحريف جاء القرآن بذمه، وأنا تحريت في هذه العقيدة إتباع الكتاب والسنة فنَفَيْتُ ما ذمّه الله من التحريف وأطلقه، ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفيٍ ولا إثبات، لماذا؟ لأنه لفظٌ مجمل، يعني منه حقٌ ومنه باطلٌ، لأن صرف اللفظ عن ظاهره بدليل هذا حق، وصرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل هذا باطل.