إذًا لا يأتي باللفظ المجل ثم يسلط عليه النفي مطلقًا أو الإثبات مطلقًا. ولذلك قال: ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفيٍ ولا إثبات لأن لفظ التأويل له عدة معانٍ كما بينته في موضعه من القواعد.
إذًا قصد المصنف رحمه الله تعالى أن يعدلَ عن لفظ التأويل إلى التحريف وهو قصدٌ صحيحٌ أم لا؟ لا شك أنه صحيح.
ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى قوله في (( الواسطية ) ): لكن ما عَبَّرَ به المؤلف أولى لوجهٍ أربعة:
الوجه الأول: أنه اللفظ الذي جاء به القرآن - يعني لفظ التحريف هو الذي جاء في القرآن - فإن الله تعالى قال: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} [النساء: 46] . - {الْكَلِمَ} يعني: الكلام - والتعبير الذي عَبَّرَ به القرآن أولى من غيره لأنه أدل على المعنى، وخاصةً في باب المعتقد، في باب العقيدة والإخبار عن الله عز وجل لا يكون إلا بما جاء لفظه في الكتاب والسنة، وأما الألفاظ المجملة والألفاظ المحتملة فهذه الأصل فيها التوقف كما سيأتي.
الوجه الثاني: أنه أدل على الحال وأقرب إلى العدل فالمؤوُّل بغير دليلٍ ليس من العدل أن يسمى مؤولًا، بل العدل أن يُوصف بما يستحقه وهو أن يكون محرفًا. يعني مناسبٌ اسمٌ على مسمى.
الوجه الثالث: أن التأويل بغير دليلٍ باطل يجب البعد عنه والتنفير منه واستعمال التحريف فيه أبلغ تنفيرًا من التأويل، لأن التحريف لا يقبله أحد بخلاف التأويل فإن الناس تقبله وتستفصل عن معناه. أما التحريف فبمجرد لفظه ينفر الإنسان منه فإذا كان كذلك فإن استعمال التحريف في من خالفوا طريق السلف أليق من استعمال التأويل.
الوجه الرابع: أن التأويل ليس مذمومًا كله. قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل» . يعني [ها] ؟ التفسير، وليس هو صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل، وإنما المراد به التفسير. وقال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] . {تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} إن عطفنا فالتأويل بمعنى التفسير، وإن وقفنا على لفظ الجلالة فالتأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول إليه، فامتدحهم بأنهم يعلمون التأويل. إذًا عبر المصنف بالتحريف قصدًا وهو كذلك ومسلمٌ له لأن الأدلة واضحة بينة ولا يُعبر عن تحريف المؤولة الذين يسمون أنفسهم بالمؤولة لا يُعبر عنه بالتأويل لما ذكره رحمه الله تعالى.