ومثاله في الطلب ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده بعد أن أُنْزِلَ عليه قوله تعالى ... {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» يتأول القرآن) . (يتأول القرآن) يعني يمتثل القرآن يعني يعمل بالقرآن {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ} ، {فَسَبِّحْ} هذا أمرٌ فامتثله النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سبحانك اللهم ربنا» .. إلى آخره، ومنه قول سفيان بن عيينة: السنة هي تأويل الأمر والنهي، فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود الْمُخْبَرِ عنه وهو تأويل الخبر والكلام خبرٌ وأمرٌ كما قال شيخ الإسلام ولهذا يقول أبو عبيدة وغيره: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة. كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصماء لأن الفقهاء يعلمون تفسير ما أُمر به ونُهي عنه، أو ما أمر به ... النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهى عنه لعلمه بمقاصد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كما يعلم أتباع بقراط وسيبويه ونحوهما من مقاصدهما ما لا يُعلم أو يَعلم بمجرد اللغة، ولكن تأويل الأمر والنهي لا بد من معرفته بخلاف تأويل الخبر. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وعلى هذين المعنيين يحمل الخلاف في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} حينئذٍ السلف أكثرهم على الوقف أو العطف؟ قولان ها؟ الوقف أكثر السلف على الوقف {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} ، ثم {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} إذا وقفنا حينئذٍ نفسر التأويل هنا بماذا؟ الذي اختص به الله عز وجل ما هو؟ حقيقة الشيء وما يؤول إليه لا يعلمها إلا الله عز وجل، كيف تقع الساعة؟ كيف تكون الجنة؟ كيف تكون النار؟ الله أعلم بها، وإذا عطفنا {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ} يعني التفسير، فيحمل على هذا. [قال ابن تيمية: وهذا هو المأثور] قال شيخ الإسلام: وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف على قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} وهذا هو المأثور عن أُبِيّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم، وروي عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أوجه:
تفسيرٌ تعرفه العرب من كلامها.
وتفسيرٌ لا يُعذر أحدٌ بجهالته.
وتفسيرٌ تعلمه العلماء.
وتفسيرٌ لا يعلمه إلا الله، وهو عاقبة الأشياء، من ادعى علمه فهو كاذب.
وقد رُوِيَ عن مجاهدٍ وطائفةٍ: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس - مِصْحَفْ مَصْحَفْ مُصْحَفْ - على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آيةٍ وأسأله عن تفسيرها. ولا منافاة بين القولين عند التحقيق، يعني يحمل هذا على معنى، وهذا على معنى، هذان المعنيان هما المعنيان السلفيان الشرعيان يعني للتأويل، إما التفسير وإما حقيقة الشيء.