وأما باعتبار الخبر فحقيقة مدلول الكلام التي تقع في الخارج هي التي يُعَبَّر عنها بأنها تأويل.
إذًا الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
مثاله في الخبر قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53] . {تَأْوِيلُهُ} يعني وقوعه بالفعل، حينئذٍ تأويل ما جاء في النصوص من ذكر الجنة والنار والصراط هو وقوعه بالفعل، إذا حصل في ذاك اليوم حينئذٍ نقول: هذا تأويل ما قد أخبر الله عز وجل عنه لأنه خبرٌ، والخبر حينئذٍ يكون تأويله بوقوع ما دل عليه.
وفي الطلب مثاله ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده بعد أن أُنْزِلَ عليه قوله تعالى: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» يتأول القرآن - يعني يعمل بما دل عليه القرآن - قال: {فَسَبِّحْ} [النصر: 3] هذا أمر، فحينئذٍ امتثل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك فجعل يذكره في صلاته كلها. إذًا التأويل يأتي بهذا المعنى وهو الذي ينبغي فهمه، حينئذٍ على هذين المعنيين يُحْمَلُ قوله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ} [آل عمران: 7] الآية. حينئذٍ كيف يفسر التفسير هنا بقوله: {تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} ؟
على المعنيين السابقين جاء عن السلف الوقف على قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} أكثر السلف على هذا، وعليه حينئذٍ تكون الجملة التالية {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ} تكون جملة ابتدائية، ولا علاقة لها بما سبق فهي منفصلة والواو هنا عاطفة، عطف الجملة على جملة، وحينئذٍ يفسر التأويل هنا بماذا؟
الحقيقة التي يؤول إليها الشيء، لأنه لا يعلم حقيقة الأشياء إلا الله عز وجل، فإذا وقفنا حينئذٍ هذا التأويل مما اختص الله تعالى به وهو النوع الثاني من نوعي التأويل، وإذا وصلنا وهو قولٌ لبعض السلف حينئذٍ {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ} صار {الرَّاسِخُونَ} هذا عطف على لفظ الجلالة، والمعطوف على المرفوع مرفوع، حينئذٍ صار من عطف المفردات بخلاف الأول من عطف الجملة حينئذٍ {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ} يعني تفسير الكلام، ومر معنا كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنه في أنواع التفسير الأربعة، ومنه ما يعلمه الناس، ومنه ما يعلمه كل الخلق، ومنه ما لا يعلمه إلا الله عز وجل.
هذان النوعان هما معنى التفسير في لسان العرب، وقلنا: المعنى الشرعي لا يبعد عن لسان العرب، وكذلك في استعمال أهل العلم.