جاء اصطلاح متأخر وهو الذي يعنيه أهل الأصول والفقهاء ومن تكلم في باب المعتقد جعلوا لفظ التأويل له معنًى اصطلاحي، ولذلك يُطلق البعض بأن التأويل له ثلاث معانٍ - وهذا الأمر ليس كذلك - وإنما نقول: له معنيان، وندرج ما دل الدليل على أن المراد بالمعنى المرجوح دون الراجح نجعله في ماذا؟ في تفسير الكلام، ولذلك مر معنا أن صيغة (افعل) في لسان العرب وكذلك في الشرع تدل على ماذا؟ على الوجوب هذا الأصل فيه، فإذا أطلق الكلام حُمِلَ على ظاهره، إذًا جاء نص يدل على أن (افعل) هنا ليست للوجوب إنما هي للإباحة أو للتهديد أو للندب حينئذٍ نقول: هذا مجاز. أو أنه أسلوبٌ آخر من أساليب العربية، فحينئذٍ نقول: دلت القرينة على إن (افعل) ليست على بابها، هذا ماذا يُسَمَّى؟ يسميه المتأخرون تأويلًا، بمعنى أنه صرف اللفظ عن ظاهره لدليلٍ يقترن به، ونحن نسميه تفسيرًا ليدخل في المعنى الأول ولذلك قلنا: في ظاهره (افعل) للوجوب دل الدليل على أن (افعل) هنا محمولٌ على المرجوح، إذًا فسرنا الكلام بما خالف ظاهره لكن لدليلٍ، هذا نجعله في ماذا؟ نجعله في النوع الأول، حينئذٍ نقول: الصحيح أن التأويل محصورٌ في نوعين، ومن أطلق بأنه ثلاثة حينئذٍ جعل المعنى الثالث قسمه منه حقٌ ومنه باطل، إن أدرج المعنى الذي هو حقٌّ في النوع الأول الذي هو التفسير فالخلاف لفظي، وإن جعله مستقلًا عن الأول حينئذٍ نقول: الخلاف جوهري. لماذا؟ لأنه إذا دلّ الدليل على المراد بالكلام هو المعنى المرجوح هذا تفسير الكلام وما أكثره في الكتاب والسنة، يأتي مطلق ويقيد، المطلق ظاهره ماذا؟ العموم الإطلاق، فجاء ما يخالفه. إذًا حملنا اللفظ على المعنى المرجوح. ماذا يُسمى هذا؟ نقول: سَمِّه تفسيرًا. من الذي فسره؟ الذي تكلم بالمطلق هو الذي تكلم بالمقيد حينئذٍ فَسَّر كلامه نفسه بنفسه إذًا يسمى ماذا؟ يُسمى تفسيرًا.
المعنى الثالث للتأويل وهو معنًى اصطلاحي الذي وقفنا عنده في الدرس الماضي: وهو صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى المعنى المرجوح لدليلٍ يقترن به، صرف اللفظ عن معناه الراجح، يعني معناه الظاهر، لا شك أن الأصوليين في هذا المقام من مبحث دلالة الألفاظ يُقَسِّمُون الدلالات إلى أقسام منها نصٌّ وظاهر.
النصّ: ما لا يحتمل إلا ظاهره، إلا المعنى الظاهر ليس له إلا معنًى واحد: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 186] . لا يحتمل إلا ظاهره، وليس ثمّ معنًى راجح ومعنًى مرجوح، هذا يسمى ماذا؟ يسمى نصًّا ويطلق ويقابل الظاهر.
والنص كل لفظٍ وواردِ ... لم يحتمل إلا لمعنًى واحدِ
والظاهر بخلافه، وهو ما تضمن معنيين يعني: اللفظي يدل على معنيين لكنهما ليس على السواء، لأنه لو كان على السواء لكان مجملًا، فإن لم يكن على السواء وكان في أحدهما أرجح فهو الظاهر، والمرجوح إن دل دليلٌ عليه فهو المؤول أو التأويل.