الصفحة 151 من 883

إذًا لا تفهم من اليدين هو ما كان مماثلًا للمخلوق، إن فهمته حينئذٍ نقول: هذا فهمٌ منكوص. إذًا الرد على من أراد أن يبطل حجة من ادَّعَى المجاز في آيات الصفات ليس بكونه قد استعمل المجاز، لأنه استعمل المجاز ثانويًا وفرعيًا لا أصليًّا، لأنه ادَّعَى أولًا أن اللفظ ليس على ظاهره لم يفهم منه إلا المماثلة والمشابهة، ثم ادَّعَى وبحث عن شيءٍ يتمسك به فتمسك بالمجاز، فلا يظن الظان أنه إذا أبطل المجاز حينئذٍ أبطل قواعد أهل البدعة؟ لا، هذا وهمٌ، وإنما تُبطل [بأن الصفات] بأن آيات الصفات على ظاهرها، والظاهر المتبادل الذي فهمته إنما فهمته بعقلك المنكوص، وإلا تجعل هذه الآيات بجوار قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} . وكلا النوعين كفرٌ وكل مشبهٍ ممثلٍ معطلٌ وبالعكس، فإن المعطل لم يفهم من صفات الله إلا ما يليق بالمخلوق، هذه أول شبهةٍ تمسك بها أهل البدعة، أن النصوص ليست على ظاهرها، وأن ظاهرها لو قيل به: فهو كفرٌ. لأنه لا يفهم منه إلا المماثلة، وهذا باطل. فأراد بزعمه الفاسد تنزيهه عن ذلك فوقع في التعطيل، فَشَبَّهَ أولًا مَثَّل أولًا، وعَطَّل ثانيًا، وشَبَّهَهُ ثالثًا بالمعدومات والناقصات. إذًا أولًا شَبَّهَ مَثَّلَ بأن آيات الصفات ظاهرها المشابهة والمماثلة، ثم عَطَّلَ ادَّعَى بأن اليدين بمعنى القوة أو النعمة، والاستواء بمعنى الاستيلاء وهكذا، ثم ثالثًا شبهه بماذا؟ بالمعدومات والناقصات تعالى الله عن قولهم، وكذلك المشبه عطل الصفة التي تليق بالله ووصفه بصفات المخلوق فعَطَّلَ أولًا وشَبَّهَهُ ثانيًا، فكل معطلٍ مشبهٌ وبالعكس.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (( الحموية ) ): وكل واحدٍ من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامعٌ بين التعطيل والتمثيل. يعني [من عطل] المعطلة والممثلة، فرقتان متقابلتان، المعطلة والممثلة كل فرقة جمعت بين الأمرين، يعني المعطلة مَثَّلُوا وعَطَّلوا، والممثلة كذلك عَطَّلُوا ومَثَّلُوا. إذًا كل منهما له حظٌّ ونصيبٌ وحصةٌ مما كان عليه مقابله. أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومة. إذًا هذا الذي ذكرته الآن أن المراد بنفي المجاز هو أنه ابتداءً وليس الأمر كذلك، بل هو فرعي لا أصلي، فقد جمعوا بين التمثيل والتعطيل، مَثَّلُوا أولًا وعَطَّلُوا آخرًا وهذا تشبيهٌ وتمثيلٌ منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم. وتعطيلٌ لما يستحقه هو من الصفات اللائقة بالله سبحانه، ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات بصفات خلقه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} كما لا يمثلون ذاته بذوات خلقه، فلا يَنْفُونَ عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيعطلون أسماءه الحسنى وصفاته ويحرفون الكلم عن مواضعه ويلحدون في أسماء الله وآياته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت