ذكرت بنفس الألفاظ، والله تعالى حي، والإنسان حي، الله تعالى سميع والإنسان سميع، الله تعالى عليم والإنسان عليم، إذًا خوطب بألفاظٍ هي أوصافٌ للمخلوق فهذا يوجب التماثل، ومن أجل ذلك حكم بأن الاستواء في حق الخالق كالاستواء في حق المخلوق، وبأن العلم في حق الخالق كالعلم في حق المخلوق، لماذا؟ لأنه لا يعلم من مدلولات هذه الألفاظ إلا ما يعلمه من نفسه، فحينئذٍ قاس المجهول في زعمه وهو ما يتعلق بالخالق جلا وعلا قاسه على المعلوم وهو ما يتعلق بالمخلوق، قاس ما يتعلق بالخالق جل وعلا وهو مجهولٌ بزعمه على ما يتعلق بالمخلوق وهو معلومٌ عنده.
وجوابه أن يقال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ما من شيئين إلا بينهما قدرٌ مشترك وقدرٌ فارغ. يعني استواء الألفاظ من حيث اللفظ وأصل المعنى لا يستلزم التساوي من كل وجهٍ، أليس كذلك؟ إذا قيل بأن الله تعالى سميع حينئذٍ أطلق الله جل وعلا السمع على المخلوق وأطلقه عليه جل وعلا، حينئذٍ اللفظ مشترك ولا إشكال فيه، كذلك ما دل عليه اللفظ نقول من حيث أصل المعنى كذلك هو قدرٌ مشترك، يعني أصل المعنى المراد به أن يُفهم اللفظ دون أن يُسند إلى خالقٍ أو مخلوق السمع من حيث هو إدراك المسموعات، البصر من حيث هو إدراك المبصرات، وهكذا هذا يُسمى ماذا؟ يُسمى أصل المعنى، هذا قدرٌ مشترك، لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يخاطبنا الله عز وجل بما لا نفهمه، فخاطبنا بأنه وصف نفسه بالسمع، ولا نعقل من السمع إلا إدراك المسموعات، هذا أصل المعنى، ثم إذا أضيف إلى ذات الخالق جل وعلا انفرد وانفك عن وصف المخلوق، والسمع إذا أضيف إلى ذات المخلوق حينئذٍ انفك وانفصل عن ذات الخالق جل وعلا.
إذًا ثَمَّ ثلاثة أشياء لا بد من فهمها على وجهها لئلا يقع قياس التمثيل: أولًا: إثبات اللفظ.
ثانيًا: إثبات أصل المعنى.
إثبات اللفظ بالنسبة للخالق جل وعلا وبالنسبة للمخلوق، وهذا قدرٌ مشترك أو لا؟ قدرٌ مشترك.
ثانيًا: أصل المعنى. يعني قبل إضافته إلى ذات الخالق أو ذات المخلوق، لأن كل وصفٍ يليق بالذات التي أُسند إليها ذلك الوصف.
ثالثًا: بعد الإضافة والإسناد.
الأول والثاني قدرٌ مشترك من حيث اللفظ ومن حيث أصل المعنى، ولذلك عَبَّر شيخ الإسلام في ما مر معنا أننا لا ننفي التشبيه والمشابهة، وإنما ننفي ماذا؟ ننفي ماذا؟
لا، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ} ، لا، نقول: من غير تمثيل أو من غير تشبيه؟ من غير تمثيل، لأن ما من شيئين إلا وبينهما قدرٌ مشترك، حينئذٍ إذا نفينا المشابهة من كل وجهٍ. نقول: هذا غلط وليس بصحيح، لأن الله تعالى يوصف بالسامع والمخلوق يوصف بالسمع وهذا قدرٌ مشابهة كذلك أصل المعنى يُوصف به الله عز وجل ويُوصف به المخلوق، وهذا قدر مشابهة فكيف ننفي التشبيه من كل وجهٍ، هذا ليس بصحيح، بل نقول: ثَمَّ قدر مشابهةٍ من حيث اللفظ ومن حيث أصل المعنى دل عليه ما أثبته الله تعالى لنفسه، ثم بالاختصاص انفك تمام المعنى الذي دل عليه اللفظ ويعتبر بحسب ما أضيف إليه.