قال رحمه الله تعالى: فإن مورد التقسيم مشتركٌ بين الأقسام، يعني الواجب والممكن. ثم كون وجود هذا الواجب أكمل من وجود الممكن لا يمنع أن يكون مسمى الوجود معنًى كليًّا مشتركًا بينهما، يعني التفاضل بين الجزئيات لا يمنع أن يدخل تحت مدخل اللفظ، أليس كذلك؟ نقول: دخل تحت الوجود الواجب والممكن، طيب الواجب والممكن هل هما مستويان أم متفاضلان؟ بينهما فرقٌ أم لا؟
بينهما فرق، دخول هذين النوعين مع وجود الفرق بينهما تحت لفظ وجود هل ينفي أنه قدرٌ مشترك؟ الجواب: لا. هذا مراده رحمه الله تعالى حينئذٍ، لفظ وجود هذا قدرٌ مشترك، انقسم إلى واجب وممكن، ومعلومٌ بالشرع والعقل والفطرة أن ثَمَّ فرقًا بين الواجب والممكن، حينئذٍ يَرِدُ السؤال: كيف تقول بأن ثَمَّ فرقًا بين الواجب والممكن ثم يدخلان أو يدخل هذا القسمان تحت لفظ وجود؟ نقول: لا يمنع، كونهما متفاضلين لا يمنع أن يكون اللفظ قدرًا مشتركًا بين النوعين، لأن التفاضل إنما حصل بعد الإضافة، ولذلك يقول رحمه الله تعالى: ثم كون وجود هذا الواجب. للخالق جل وعلا، أكمل من وجود الممكن. يعني: بينهما تفاضل. لا يمنع أن يكون مسمى الوجود معنًا كليًّا مشتركًا بينهما، لا ينفي. يعني التفاضل بين جزئيات الكلي لا يسلبه كليته، وهكذا في سائر الأسماء والصفات المطلقة على الخالق والمخلوق كاسم الحي والعليم والقدير والسميع والبصير، وكذلك في صفاته كعلمه وقدرته ورحمته ورضاه وغضبه وفرحه وسائر ما نطقت به الرسل من أسمائه وصفاته. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وهذه جملة قواعد مهمة جدًا معرفتها تعين على فهم ما عليه أهل السنة والجماعة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (( مفتاح دار السعادة ) )الجزء الثاني تسع وسبعين وأربع مائة، قال رحمه الله تعالى: الرب تبارك وتعالى لا يدخل مع خلقه في قياس تمثيلٍ ولا قياس شمول يستوي أفراده، هذان النوعان من القياس يستحيل ثبوتهما في حقه كما مر معنا.
وأما قياس الأولى فهو غير مستحيلٍ في حقِّه، بل هو واجبٌ له، وهو مستعملٌ في حقِّه عقلًا ونقلًا، هذا نريد به ماذا؟ أننا جعلنا القياس قياس الأولى دليلًا شرعيًّا نحتاج إلى ماذا؟ إلى دليل، إذا قلت: معطي الكمال أولى به من ما اتصف بالكمال من المخلوق. ما الدليل على ذلك؟ كل قاعدة يذكرها أهل السنة والجماعة لا بد أن يتعلم طالب العلم في إثباتها بأدلتها، وأما هكذا القول في الصفات كالقول في الذات أو القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر دون أن يعرف على ماذا استند هذه القاعدة، هذا فيه شيءٌ من الضعف، ولو وقف أمام أشعري لهزه هزًّا، فحينئذٍ نقول: هذه لا بد من معرفتها.