الصفحة 195 من 883

الثاني: وكقوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [الزخرف: 17] يَتَنَزَّهُون عن البنات ثم ينسبونها إلى الله تعالى، وما تَنَزَّهُوا عنها إلا دعوى للكمال، هل يستويان؟ لا. يعني أن أحدكم لا يرضى أن يكون له بنتٌ فكيف تجعلون لله ما لا ترضونه لأنفسكم؟ فإذا نزهتم أنفسكم عن البنات فالله تعالى من بابٍ أولى وأحرى، هذا قياس الأولى. وكقوله: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ... [النحل: 75، 76] انظر هنا التعبير يكون هل يستوي هل يستويان .. إلى آخره. إذًا نفي المساواة بينهما. قال ابن القيم: يعني إذا كان لا يستوي عندكم عبدٌ مملوكٌ لا يقدر على شيء وغني موسع عليه ينفق مما رزقه الله، يستويان عند الخلق؟ لا يستوي عبد ليس عنده شيء، وهذا غني موسع عليه ينفق مما أتاه الله سبحانه وتعالى لا يستويان، فكيف تجعلون الصنم الذي هو أسوء حالًا من هذا العبد شريكًا لله؟ وكذلك إذا كان لا يستوي عندكم رجلانِ أحدهما أبكم لا يعقل ولا ينطق وهو مع ذلك عاجزٌ لا يقدر على شيء، وآخر على طريقٍ مستقيم في أقواله وأفعاله وهو آمر بالعدل عامل به لأنه على صراطٍ مستقيم فكيف تسوون بين الله وبين الصنم في العبادة؟ ونظائر ذلك كثيرة كما قال رحمه الله تعالى في القرآن.

وفي الحديث السنة كقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الحارث الأشعري: «وإن الله أمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وإن مثل من أشرك كمثل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله وقال له: أعمل وأدِّ إليَّ فكان يعمل ويؤدي إلى غيره» . يستويان؟ الجواب: لا. فأيكم يحب أن يكون عبده كذلك؟ فالله سبحانه لا تُضرب له الأمثال التي يشترك هو وخلقه فيها لا شمولًا ولا تمثيلًا، وإنما يستعمل في حقِّه قياس أولى كما تقدم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى في (( مفتاح دار السعادة ) ). فقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ولاَ يُقَاسُ بِخَلْقِهِ) بعد قوله: (لاَ سَمِيَّ لَهُ، وَلاَ كُفْءَ لَهُ، وَلاَ نِدَّ لهُ) يدل على أن المنفي هو قياس التمثيل وقياس الشمول، لماذا؟ بدلالة السياق والسباق، يعني السياق مُحَكَّم، فقوله: (لاَ يُقَاسُ بِخَلْقِهِ) لا يقال بأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ينفي قياس الأولى، بل يثبته، كما ذكر أن السلف على ذلك، فيمتنع القياس بين الله تعالى وبين الخلق للتباين بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت