الصفحة 196 من 883

قال رحمه الله تعالى: فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره. يعني بعد ما ذكر المنفيات الأربعة قال: فإنه. الفاء هذه؟ [لا، ليست فصيحة] الفاء بعد الحكم تفيد التعليل، بعد [إن] [1] بعد الأمر، وبعد النهي، وبعد النفي تفيد ماذا؟ نفيد التعليل، فإنه كأنه قال: لأنه. لا ند له ولا سمي له ولا كفء له ولا يقاس بخلافه، لماذا؟ لأنه. فإنه سبحانه أعلمُ بنفسه وبغيره، الفاء للتعليل. وأراد أن يعلل لحكمٍ ألا وهو وجوب قبول ما دل عليه كلام الله تعالى من صفاته وغيرها. إذ يجب قبول ما دل عليه الخبر، إذا اجتمعت فيه أربعة أشياء، وذكر منها هو ثلاثة أشياء، وزاد واحد في [لعله في الحموية] إذ يجب القبول ما دل عليه الخبر إذ اجتمعت فيه أوصافٌ أربعة:

الأول: أشار إليه بقوله: فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره. يعني أن يكون الخبر صادرًا عن علمٍ، فالعلم هذا أساس في قبول الأخبار. أي أن يكون صادرًا عن علمٍ، ودليله قوله تعالى: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الإسراء: 55] {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ} انظر جاء بصيغة أفعال التفضيل وهذا لا إشكال في استعمالها لا لغة ولا شرعًا، لماذا؟ لأن بعض الأشاعرة إذا جاء قال فإن قال: ماذا؟ {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ} أي عالمٌ. لينفي ماذا؟ المفاضلة بين الخالق والمخلوق في صفة العلم وهذا باطل، لماذا؟ لأنه مصادم للنص، الله عز وجل يقول: {أَعْلَمُ} إذًا أفعل التفضيل ليست كعالم، فعالم تدل على أن الذات متصفةٌ بعلمٍ، ثم المساواة لا تتعرض لها، حينئذٍ يكون سوى بين علم الخالق وعلم المخلوق. قلتَ: الله عالم وزيدٌ عالم. هل بينهما مفارقة مفاضلة؟ الجواب: لا. لكن إذا قلتَ: الله أعلم من العلماء ونحوهم، حينئذٍ نقول: هذا أثبت العلم للخالق، وأثبت العلم للمخلوق على الوجه السابق، ثم بين أن بينهما فرقًا، لماذا؟ لأن العلم المضاف إلى الخالق ليس كالعلم المضاف إلى المخلوق، فأفعل التفضيل على بابها. {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} فهو أعلم بنفسه وبغيره من غيره لأنه يعلم ماذا؟ ما كان وما سيكون باعتبار المخلوق. وقال الله تعالى: ... {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] . وقال: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] أي لا يحيطوا الخلائق به سبحانه علمًا فهو الموصوف بصفات الكمال التي لا تبلغها عقول الخلائق كما في الصحيح: «لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك» . فما جاء في الكتاب والسنة من صفاته سبحانه وجب الإيمان به وتلقيه بالقبول والتسليم، وترك التعرض له بل الرد والتمثيل فهو الذي وصف بها نفسه، ووصفه بها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فعلينا أن نرضى بما رضيه لنفسه فإنه أعلم بما يجوز ويمتنع ويليق بجلاله، هو أخبرنا أنه {اسْتَوَى} لماذا تحشر نفسك أنت؟ أنت مخلوق ضعيف لا تملك لنفسك حولًا ولا قوة، فإذا أخبر الله عز وجل عن نفسه فهو أعلم بنفسه من غيره.

(1) سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت