الثاني مما يوجب قبول الأخبار، قلنا: الأول العلم، لا بد أن يكون صادرًا عن علم. والثاني: الصدق. قال المصنف: (وَأَصْدَقُ قِيلًا) يعني الله عز وجل (وَأَصْدَقُ قِيلًا) . قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا} [النساء: 122] يعني لا أحد أصدق منه. الصدق هو مطابقة الكلام للواقع. يعني إذا تكلم المتكلم قام زيدٌ وفي الواقع كذلك قام زيدٌ، حينئذٍ نقول: طابق الكلام الواقع، يعني الخارج. وإذا لم يُطابقه فحينئذٍ يكون كذبًا، سواء كان خطأً أو عمدًا، فالوصف بالكذب لا يستلزم أن يكون متعمدًا، بل يكون مُخْطِئًا، لماذا؟ لأن العبرة في الوصف هنا ماذا؟ طابق أو لم يطابق ليس عندنا واسطة على الصحيح خلاف للجاحظ وغيره. والصدق مطابقة الكلام للواقع ولا شيء من الكلام يطابق الواقع كما يطابقه كلام الله سبحانه وتعالى، فكل ما أخبر الله به فهو صدقٌ، بل أصدق من كل قولٍ. وثبت في الصحيح من حديث جابرٍ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في خطبته يوم الجمعة: «إن أصدق الحديث كتاب الله» . أصدق جاء بماذا؟ بأفعال التفضيل فهي على بابها، لا تقول: صادق، وإنما تقول: أصدق. إذًا وصف [غيره] كلام غيره بالصدق وكلام الله تعالى كذلك يوصف بالصدق إلا أن الله تعالى أصدق من غيره، «إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -» . الحديث فما أخبر به الله سبحانه فهو حقٌّ وصدقٌ علينا أن نصدقه ولا نعارضه ولا نعرض عنه، فمن عارضه بعقله لم يصدق به. يعني مَنْ قَدَّمَ العقل على النقل على كلام الله هل آمن به؟ الجواب: لا قطعًا، فتجرأ قل لم يؤمن بالكتاب، لماذا؟ لأنه ردّ الكتاب ضمنًا، وإن لم يصرح بأنه لم يرد الكتاب لكنه في سلوكه وقواعده يردّ الكتاب، لماذا؟ لأنه لو كأنهم مصدقًا بالكتاب لما قدَّم رأيه على قول الله تعالى. فمن عارضه بعقله لم يصدق به، وكذلك من أقرّ بلفظه مع جحد معناه أو حرفه إلى معاني أخرى غير ما أريد به لم يكن مصدقًا.
ثالث: البيان والفصاحة. إذا الأول العلم، والثاني الصدق، والثالث البيان والفصاحة. هذه ذكرها ابن تيمية رحمه الله تعالى في أوائل (( الحموية ) )وأشار إليه بقوله: (وَأَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِهِ) . قال الله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] لفظه لفظ استفهامٍ؟ ومعناه ماذا؟ التحدِّي والنفي، أي لا أحد أحسن حديثًا منه سبحانه، وحسن حديثه تضمن نوعين:
الحسن اللفظي، والحسن المعنوي.