الرابع: سلامة القصد والإرادة. قلنا: هذا زيادة على ما ذكره رحمه الله تعالى، وذكر العلم، ثم الصدق، ثم بيان الفصاحة. رابعًا: سلامة القصد والإرادة. بأن يريد الْمُخْبِرُ هداية من أخبره. قال تعالى: {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [آل عمران: 176] {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} [النساء: 26] هذا من النصح {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ} اجتمع في كلام الله تعالى الأوصاف الأربعة التي توجب قبول خبره، العلم، والصدق، والفصاحة والبيان، وسلامة القصد والإرادة. هذا حكم ما أخبر الله تعالى به عن نفسه بكلامه الذي هو جامع للكمالات الأربع في الكلام. أما ما أخبرت به الرسل فقال المؤلف: (ثُمَّ رُسُلُه صَادِقُونَ مُصَدَّقُون) ، (ثُمَّ) هذا للترتيب الذكري والرتبي كذلك، فلا شك أن مرتبة كلام الرسل هذه تالية لمرتبة كلام الله تعالى، مرتبة المخلوق تالية لمرتبة الخالق، (ثُمَّ رُسُلُه صَادِقُونَ) صادقون في ماذا؟ أي في ما جاءوا به عن الله تعالى، والصدق كما مر مطابقة الخبر للواقع، فرسله عليهم السلام صادقون في جميع ما أتو به إذ هو الحق الصدق المطابق للواقع، فلا يصح للإنسان قولٌ ولا عمل إلا باعتقاد صدقهم وأمانتهم. يعنى يكون كافرًا لو كان مكذبًا، ولا شك إجماع أهل العلم السنة والجماعة أن الرسل معصومون عن الكذب، فإذا لم يعصمهم عن الكذب حينئذٍ اتهمهم بماذا؟ إذا لم يكونوا معصومين عن الكذب حينئذٍ اتهمهم بالكذب وهذا كفرٌ وردة عن الإسلام، فلا يصح للإنسان قولٌ ولا عملٌ إلا باعتقاد صدقهم وأمانتهم، وأنهم بلغوا البلاغ المبين بأبلغ عبارةٍ وأوضح أسلوبٍ ليس في كلامهم لغزٌ ولا أحاجي، وليس له باطن يخالف ظاهره كما يدعيه من يدعيه، وأن لديهم من القدرة على التعبير وكمال العلم وتمام الشفقة والنصح ما ليس عند غيرهم. فيجب أن يكون بيانهم للحق أكمل من بيان كل أحدٍ. ولا شك في ذلك. فمن المحال أن يتركوا باب الإيمان بالله وأسمائه وصفاته ملتبسًا - انتبه هتان قاعدتان تتعلق بالكتاب والسنة: لا يمكن أن يكون آيات الصفات بل ما يتعلق بالإيمان بأركانه الستة أن يكون ملتبسًا لا في الكتاب ولا في السنة. بمعنى أنه ليس عندنا ألفاظ مشتبهة أو ألفاظ محتملة، بل ظاهرها متضح واضح البيان من كل وجهٍ، بدليل ماذا؟ أنه لم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أحد من أصحابه خالف ظاهر الكتاب والسنة، ولذلك كثيرًا ما نَدَّعِي، بل نقول: إجماعٌ على صفة كذا. قد لا يُنْقَل حرفٌ واحدٌ عن الصحابة. فنقول: ثبتت صفة العلم بالكتاب والسنة وإجماع السلف، وقد نعني بالسلف هنا الصحابة، وقد لا يُنقل حرف واحد. من أين نأخذ هذا الإجماع؟ من كونه لم ينقل عن السلف عن الصحابة حرفٌ واحد يخالف ظاهر الكتاب والسنة، فنستدل بظاهر الكتاب والسنة بالقواعد هذه التي نذكرها الآن مع موافقة لسان العرب وكونه لم يستفصل أحدٌ من الصحابة بأن هذا اللفظ محتملٌ ويحتاج إلى بيان من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدل على أن الظاهر هو المراد، وهو كذلك.