إذًا سلم من ماذا؟ من الكذب والفساد، فدل على أن ما فهمه السلف وأجمع عليه السلف هو ما جاء به المرسلون السالم من كل عيبٍ ونقصٍ. ولذلك قال: وإذا سلموا من ذلك لزم سلامة كل ما جاءوا به من الكذب والفساد. وهذا المراد هنا من تقرير شيخ الإسلام بهذه الآية رحمه الله تعالى وسينص على هذا فيما بعد. وأعظم ما جاءوا به. ما الذي هو أعظم ما جاء به المرسلون؟ لا شك أن الشريعة كلها حقّ وكلها وحيٌ من عند الله عز وجل، لكن يَرِدُ السؤال هل هي على مرتبةٍ واحدة؟ من حيث القبول نعم على مرتبة واحدة - انتبه - من حيث القبول والتسليم على مرتبة واحدة أو لا؟ {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ... [النساء: 65] . {فِيمَا} ماذا يستفاد منه؟ العموم يعني وإن قل {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} [النساء: 59] ما هو الشيء هذا ولو سواك؟ نعم ولو سواك، ولو تنازعنا في هذا الماء ما حكمه؟ وجب رده إلى الكتاب والسنة، من لم يرده للكتاب والسنة؟ {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} جاء النص واضح بين لا إشكال فيه، حينئذٍ نقول: ما جاء به المرسلون من حيث القبول لا فرق بينه، بمرتبةٍ واحدة بمنزلةٍ واحدة لكن من حيث الاعتقاد أفضلية بَعْضَهُ أو أفضلية بَعْضِهِ على بعض هل هو بمرتبةٍ واحدة؟ لا شك أنه مختلف، منه ما يتعلق بالعقيدة، ومنه ما يتعلق بالفروع أو الأصول والفروع إن شئت، أو العلميات والعمليات، ومنهم ما هو واجبٌ مجمعٌ على إيجابه، ومنهم ما هو واجبٌ مختلفٌ فيه، منه ما تعلق في حق الباري، منه كذلك الغيبيات قد تتعلق بالجنة والنار ونحو ذلك لا يستويان الغيبات الذي يتعلق بحق الباري جل وعلا ليس كالذي يتعلق بالجنة والنار وما يكون في الصراط ونحوه، وإن كانت كله من إن كانت كلها من حيث القبول واجبة القبول، لكن من حيث الاعتقاد ومن حيث أهمية وعظم الواجبة كذلك مختلفان.
هنا قال: وأعظم ما جاءوا به هو التوحيد، ومعرفة الله سبحانه وتعالى، ووصفه بما يليق بجلاله مما وصف به نفسه على ألسنتهم، وهذا نأخذ منه فائدة وهي أنه إذا كان أعظم ما جاء به المرسلون هو التوحيد بأنواعه الثلاثة حينئذٍ يجب على المكلف أن تتعلق نفسه علمًا وتعلمًا وتعليمًا ودعوةً بأعظم ما جاء به المرسلون أو لا؟ نعم، فإذا قدَّمنا غير التوحيد على التوحيد تعلمًا وعلمًا ودعوةً نحن على منهج الأنبياء أو لا؟
قرروا
نعم، لسنا على منهج الأنبياء، لماذا؟ لأنه باتفاق السلف أن أعظم ما جاء به الأنبياء والمرسلون هو التوحيد بأنواعه الثلاثة، حينئذٍ الواجب أن نتعلم ابتداءً التوحيد، الواجب أن نعلم الناس ابتداءً التوحيد، الواجب أن ننكر من المنكرات قبل الزنا والربا و، و .. إلى آخره أن ننكر ماذا؟ ما يناقض التوحيد هذا الأصل، فإذا أنكرنا ما لا يتعلق بالتوحيد، ما يناقض التوحيد وجعلناه هو الديدين الذي نتكلم فيه صباح ومساء ونترك الشرك الأكبر الواضح الصريح الذي لا خلاف بين أهل السنة والجماعة أنه مخرجٌ لأصحابه من الملة، حينئذٍ لا نكون موافقين لما جاء به المرسلون - انتبه يا طالب العلم - لهذه الدلالات.