إذًا أعظم ما جاءوا به هو التوحيد ومعرفة الله سبحانه وتعالى ووصفه بما يليق بجلاله من ما وصف به نفسه على ألسنتهم، وإذا سلم ذلك من الكذب والمحال فهو الحقّ المحض، وما خالفه فهو الباطل والكذب والمحال. هذه الجملة تعض عليها بالنواجذ، لأنها تبين لك مسألة مهمة جدًا وهي أن ما عليه السلف الصالح هو الحقّ المحضّ لأنه يأتي دَلِّل لي أن ما عليه السلف هو الذي جاء به المرسلون؟ فتقرره بهذه الآية على الوجه.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ولَمّا كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من النقص بدلالة المطابقة. من جهة اللغة، ويستلزم إثبات الكمال. يعني التنزيه هل هو المراد لذاته؟ [عندما] التنزيه فيه معنى المباعدة كما ذكرنا وفيه معنى النفي، النفي محضّ يعني عدم محض ليس بشيء، هل النفي والتنزيه مرادٌ لذاته أم بغيره؟ لا شك أنه مرادٌ لغيره، لماذا؟ لأن النفي في مقام - كما سيأتي النص عليه رحمه الله تعالى - النفي هنا في باب الصفات إذا نفى الله تعالى عنه صفةً فليس المراد النفي المحض، وإنما المراد إثبات كمال ضد هذه الصفة المنفية، فإذا نفي الجهل
أُثْبِتَ كمال العلم من هذا النص {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [طه: 52] لماذا؟ لكمال علمه وإحاطته، أما ذات اللفظ المنفي فهذا ليس مرادًا لذاته، قال هنا: التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة انفكاك والبعد من النقص بدلالة المطابقة لأن هذا معناه الشرعي ومعناه ماذا اللغوي، ويستلزم إثبات الكمال لأنه نفيٌ والنفي يستلزم الكمال. {الْحَمْدُ} العكس وهو إثبات الكمالات وإثبات العلم على وجه الكمال يستلزم ماذا؟ التنزيه عن الجهل عكس بالعكس، كما أن الحمد يدل على إثبات صفات الكمال مطابقةً، ويستلزم التنزيه عن النقص قرن بينهما في هذا الموضع وفي مواضع كثيرةٍ من القرآن ولهذا قال: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} .. الآية، انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وفي هذه الآية كما قال الشارح: إثبات أنواع التوحيد الثلاثة فإن الحمد يتضمن إثبات أنواع التوحيد الثلاثة، فإن الحمد مدح المحمود بصفات كماله، ونعوت جلاله مع محبته والرضا عنه والخضوع له، ومن المعلوم أن فاقد صفات الكمال لا يكون إِلَهًا، وهذا لا يحتاج إلى تدليل، لا يكون إِلَهًا ولا مدبرًا بل هو مذموم، وإذا كان مذمومًا حينئذٍ لا يصلح أن يكون إِلَهًا، بل هو مذمومًا معيبٌ ليس له الحمد وإنما الحمد لمن له صفات الكمال ونعوت الجلال التي لأجلها استحق الحمد وشملت هذه الآية على وصفه سبحانه بالعزة {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ} المتضمنة للقوة والقدرة وعدم النظير والحمد كذلك وصف له المتضمن لصفات الكمال والتنزيه عن أضَّادها وعلى إثبات الصفة الكلام وعلى الرد على جميع المخالفين، وإثبات أن ما جاء به المرسلون هو الحق الذي يتعين اعتقاده لسلامة ما قالوه في ربهم من النقص والعيب. انتهى من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى ملخصًا كما قال الشارح.