قد رده بعضهم إلى هذا الجزء، لكن يَرِدُ عليه الإشكال أن هذا قد يتحقق في الاستدلال بسورة الإخلاص، لأن فيها نفي وفيها إثبات، وكذلك أن يقال: ( {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ) هذا إثبات، ( {اللَّهُ الصَّمَد} ) إثبات، ( {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ) هذا فيه نفي مفصل ونفي مجمل، وكذلك يتأتى في الاستدلال بآية الكرسي وهو الدليل الثاني، وفيها كذلك إثبات ونفيٌ، ( {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} ) إثبات ونفي، لكن فيما بعده قد لا يتأتى، حينئذٍ أُورِد إشكال على إرجاع هذه الجملة من قول شيخ الإسلام هنا على طرف الأخير أو الجملة الأخيرة، ولذلك قال بعضهم: يَرِدُ عليه أن هذا يمكن أن يصدق على المثالين الأولين سورة الإخلاص وآية الكرسي، إذ فيهم الإثبات المفصل والنفي المجمل ولكن ما بعده من الآيات قد لا يكون فيها أو فيهما ما ذكر، ويمكن أن يجاب لأن مقصود شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنه قد جمع بين الإثبات والنفل ليس في آية واحدة، صحيح؟ إنما المراد أن نصوص الْوَحْيَيْنِ بعضها قد يأتي إثبات فقط، وبعضها قد يأتي آية فيها نفيٌ فقط، وقد يجتمعا، وأراد بالأصل السابق وهو قوله: (وَهُوَ سُبْحَانَهُ) جل وعلا (قَدْ جَمَعَ فِيما وَصَفَ وَسَمَّى بِهِ نَفْسَهُ بينَ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ) لم يُرِدْ شيح الإسلام بهذه الجملة أنه ما من آية يذكر فيها إثبات إلا ومعها نفي، لو كان كذلك لقلنا إذًا لا يمكن أن يتأتى إلا إذا جاء على غرار سورة الإخلاص اجتمع فيها النفي والإثبات وكذلك [آية] الكرسي اجتمع فيها النفي والإثبات {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الجمعة: 3] ليس فيه إلا إثبات {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107] ليس فيه إلا إثبات {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} [النحل: 60] ليس فيه إلا إثبات. إذًا هذا لا يكون من آيات الصفات؟ الجواب: لا. فليس مقصود شيخ الإسلام هنا أنه جمعه بين النفي والإثبات في آية واحدة، لا، وإنما نحدث عن نفسه جل وعلا وأخبر ووصف نفسه في بعض الآيات بالإثبات فقط، وفي بعض الآيات بالنفي فقط، وفي بعض الآيات والسور جمع بين الإثبات والنفي، حينئذٍ لا يَرِدُ الإشكال من أصله، ويحتمل ولذلك جوز الشيخ ابن عثيمين أنه يحتمل أنه يعود على الجملة الأولى وعلى الجملة المتأخرة، لكن عودها على الجملة الأولى أولى، لماذا؟ لأنه أراد بهذه الأدلة أن يفصل ويؤصل هذا الأصل، وهذا أعظم أصل في هذا المقام، إن الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - هذا الأصل العام الذي تنطلق منه جميع الأصول القواعد في باب الأسماء والصفات، لأن مداره على ماذا؟ إن النقل إما العقل، العقل قلنا ممتنع هنا، وإنما يكون الشأن فيه بالاستدلال، إذًا بَقِيَ ماذا؟ النقل، فأولًا أثبت ثم أثبت النقل، ثم بعد ذلك ما دل عليه النقل، فحينئذٍ هذا أعظم قاعدة وأجل أصلٍ في هذا المقام أن يقال: (وَمِنَ الإيمَانِ بِاللهِ الإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ) .. إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى.