الأول: لأنها أُخْلِصَت في صفة الله، يعني: هي أربع آيات، الآية الأولى والثانية والثالثة والرابعة موضعها ودلالتها صفة الله تعالى فقط، ليس ثَمَّ أحكام، وليس ثَمَّ شيء آخر غير الباري جل وعلا ذكر في هذه السورة، حينئذٍ نقول: أُخلصت. بمعنى أنه لم يذكر فيها إلا صفة الباري جل وعلا، وهذا إخلاص وفيها تنقية الشيء، حينئذٍ لم يذكر لا خبر ولا قصص ولا ما يتعلق بالأحكام الشرعية ولا بأحوال القيامة ولا غيرها، كما هو الشأن في سائر السور، لأنها أُخلصت في صفة الله تعالى فهي مُخلَصة، لأن الله تعالى أَخْلَصَهَا لنفسه فلم يذكر فيها شيئًا من الأحكام ولا شيئًا من الأخبار عن غيره، بل هي أخبار خاصة بالله وحده دون ما سواه، وهذا واضح.
وقيل المعنى الثاني وهو معنى صحيح، لأنها تُخَلِّصُ قارئها من الشرك العلميّ الاعتقاديّ، يعني من قرأها وليس بمجرد القراءة، وإنما بتدبر المعنى، واعتقاد ما دلت عليه، وهذا يُفهم بمعنى الأحد والصمد ولم يكن له كفوًا أحد، ولم يلد ولم يولد، بفهم هذه المعاني والعمق فيها حينئذٍ تُخَلِّصُ صاحبها من الشرك في التوحيد العلمي الاعتقادي، وهو ما يقابل ماذا؟ توحيد الإيرادي العملي، لأن الشرك كما يدخل الثاني يدخل الأول، لأنه لا بد من التوحيد، التوحيد هو إفراد الله، لا بد من معنى الإفراد في توحيد الربوبية، ولا بد من معنى الإفراد في توحيد الألوهية، ولا بد من معنى الإفراد في توحيد الأسماء والصفات، فمن أفرد الباري جل وعلا بما وصف به نفسه ونفى تلك الأوصاف عن غيره على مقتضى القواعد السابقة فقد وَحَّدَ فهو موحد في باب الأسماء والصفات، ومن شَرَّكَ بين الباري جل وعلا في بعض الصفات التي دلت عليها الكتاب والسنة من أنها من خصائص الباري شَرَّكَ بين الباري وغيره فهو مشرك في هذا النوع، أليس كذلك؟ إذًا التوحيد بجميع أنواعه الثلاثة يدخلها الشرك، ولذلك نقول: توحيد الربوبية. ما معنى توحيد الربوبية؟