إذًا استخلص من هذا رحمه الله تعالى أن اسمه الأحد فيه تنزيه، وأن اسمه الصمد في إثبات الكمالات. حينئذٍ التنزيه لا يكون إلا لإثبات كمال نقيضه وهو ما دل عليه لفظ الصمد. وقال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ} . [الإخلاص: 1، 2] قال: {أَحَدٌ} . وقال: {الصَّمَدُ} . يعني: أدخل (أل) على الصمد ولم يدخل (أل) على أحد، ما المراد هنا؟ قال: فأدخل اللام في {الصَّمَدُ} ولم يدخلها في {أَحَدٌ} لأنه ليس في الموجودات ما يسمى أحدًا في الإثبات مفردًا غير مضاف إلا الله تعالى. وذلك قلنا: {أَحَدٌ} هكذا تأتي في سياق الإثبات وتأتي في سياق النفي، في سياق الإثبات في الجملة مختصةٌ بالباري جل وعلا، في سياق النفي تكون للمخلوق، ولذلك قال: ليس في الموجودات ما يُسمى أحدًا في الإثبات مفردًا غير مضاف، أما المضاف هذا سيأتي ليس إلا الباري جل وعلا، بخلاف النفي وما في معناه كالشرط والاستفهام فإنه يقال: هل عندك أحد؟ هذا استفهام. هل عندك أحدٌ؟ هذا يطلق على المخلوق، وكذلك يقال: وإن جاءني أحدٌ من جهتك أكرمته. إن جاءني أحدٌ، أحدٌ جاء في سياق الشرط حينئذٍ ما جاء في سياق النفي وما جاء في سياق الاستفهام وما جاء في سياق الشرط فهو خاصٌ بالمخلوق، وإنما استُعمل يعني أحدٌ في الإثبات في غير الباري جل وعلا في معنيين، وإنما استعمل في العدد المطلق أحد واحد أحدٌ واحد لا إشكال فيه اثنان .. إلى آخره. ويقال: أحد عشر. وهذا في العدد. والمعنى الثاني في أول الأيام يقال يوم الأحد، أحد اليوم ماذا؟ قال: أحدٌ. حينئذٍ استعمل في الإثبات في غير الباري جل وعلا في هذين الموضعين فقط، وما عداه فالأصل فيه المنع. قال: وإنما يستعمل في غير الله في النفي يعني: في المخلوق يكون في سياق النفي وما هو في منزلة النفي كالاستفهام والشرط. قال أهل اللغة: يقول. يعني: قائل، لا أحد في الدار، ولا تقل فيها أحد. كما قال الكسائي فيما سبق، ولهذا لم يجيء في القرآن إلا في غير موجب في غير إثبات يعني في شأن المخلوقات كقوله تعالى: {فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] . انظر {فَمَا} نافيةٌ {فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ} ، {أَحَدٍ} جاء في سياق النفي ليس المراد بها الباري جل وعلا، ليس أحد هنا هو المراد في قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} . لا إنما بينهما تنافي، أحدٌ في قوله: {اللَّهُ أَحَدٌ} في سياق الإثبات وهو خاصٌ بالباري جل وعلا، {فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ} جاء في سياق النفي وهو خاصٌ بالمخلوق، والفرق بينهما كالفرق بين الخالق والمخلوق. وكقولنا: {لستن كأحدٍ من النساء} . لستن هذا فعل نفي، وقوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} [التوبة: 6] . {وَإِنْ} هذه شرطية {أَحَدٌ} جاء في سياق الشرط هذا خاصٌ بالمخلوق، وفي الإضافة كقوله: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُم} [الكهف: 19] جاء بالإثبات هنا لكنه مضاف، ولذلك قال: في الإثبات مفردًا غير مضافٍ، يعني: مفرد أحد، أما أحدكم هذه يأتي في سياق الإثبات للمخلوق {فَابْعَثُوا أَحَدَكُم} من البشر وهو كذلك.