الحمد لله الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا .. ) إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. قوله: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) البداءة بالبسملة هي شأن جميع المصنفين، كل من ألَّف كتابًا وكان صاحبه عالمًا من علماء الشريعة فإنه يُستحب له أن يبدأ كتابه بالبسملة، وهذا شأن جميع المصنفين، ولذلك قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في (( فتح الباري ) )قال: وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالتسمية - هذا إجماعٌ عملي - وكذا معظم كتب الرسائل، لأنه جاء [أن] النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كتب إلى هرقل: (( بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ) ). ففتح كتابه ورسالته بالبسملة، وهذا دليلٌ واضحٌ بَيِّن وهو صحيحٌ وثابتٌ أن الابتداء بالبسملة أمرٌ مشروع، وقبل ذلك يقال: إنه اقتداءٌ بالكتاب، فالله عز وجل افتتح كتابه القرآن بالبسملة: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1،2] حينئذٍ تأسيًا واقتداءً بالرب جل وعلا يُستحب للمخلوق أنه إذا بدأ كتاب يبدأ بالبسملة، وحيث أنزل البسملة في ابتداء كل سورةٍ، كذلك كل سورةٍ تفتتح في القرآن سوى براءة يُبدأُ فيها بالبسملة، وكذلك تأسيًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في ما ذكرناه. إذًا اقتداءً بالكتاب العزيز، وتأسيًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما ما ورد في بعض الأحاديث «كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر» ، «أجزم» ، «أقطع» هذه الروايات كلها ضعيفة، وما ثبت من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بالاقتداء والتأسي.
وأما الكلام على البسملة من حيث المفردات والإعراب هذا سبق الحديث فيه مرارًا في الكثير من المتون السابقة التي شُرحت، ومن أرادها فليرجع إليها ويَكفِي في هذا المقام ما ذكرناه.
قال رحمه الله تعالى: (الحمد لله الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ) . (الحمد لله) كذلك يُقال ثنَّى بالحمدلة بعد البسملة تأسيًا بالقرآن، يعني اقتداءً بالله عز وجل حيث قال: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أول سورةٍ في القرآن افتتحت بالحمدلة، ثانيًا: بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يفتتح الخطب بالحمدلة"إن الحمد لله نحمده .."إلى آخره كذلك في خطبة النكاح، والصحيح أنها على جهة العموم يعني في كل خطبةٍ يستحب أن يؤتى بهذا النص. وأما ما ورد بالنصوص السابقة «كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بالحمد لله» .. إلى آخره نقول: هذا كذلك لا يثبت وإنما هو من الأحاديث الضعيفة، والحديث الضعيف على الصحيح أنه لا يعمل به مطلقًا لا في الأحكام ولا في العقائد ولا في فضائل الأعمال.