الصفحة 301 من 883

هذه السورة تضمنت توحيد الاعتقاد والمعرفة وما يجب إثباته للرب من الأحديتة المنافية لمطلق المشاركة في وجهٍ من الوجوه، وهو الذي دل عليه اسمه ( {أَحَدٌ} ) والصمدية المثبتة له جميع الصفات صفات الكمال الذي لا يلحقه فيها نقصٌ بوجه من الوجوه، وهذا مأخوذٌ من الصمد وهو واضح، ونفي الولد والوالد الذي من لزوم صمديته وغناه وأحديته، ونفي الكفء المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال، لكن بدلالة المطابقة ودلالة التضمن ودلالة الالتزام بجميع الأنواع، لأنه قد يكون قال أحد كيف جمعت هذه جميع المعاني المتعلقة بالرب جل وعلا على وجه الكمال؟ نقول: منه ما دل بالمطابقة، ومنه ما دل بالتضمن، ومنه ما دل بدلالة الالتزام. وقلنا: هذه الدلالات الثلاث حجة تعتبر في هذا المقام، ونثبت بها أحكامًا شرعية تتعلق بباب المعتقد، وكذلك أحكامًا شرعية تتعلق بالفروع، وكذلك الصمد يؤخذ منه دلالة المطابقة، ودلالة التضمن، ودلالة الالتزام، إذًا إذا نظرنا إلى هذا العموم وهذه الشمولية حينئذٍ لم يخرج عن هذا النص ( {اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَد} [الإخلاص: 1، 2] ) لم يخرج أي كمالٍ يليق بالباري جل وعلا. قال هنا: فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال ونفي كل نقصٍ عنه، ونفي إثبات مثلٍ له، أو شبيه في كماله، ونفي مطلق الشريك عنه، فهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي، الذي يباين به صاحبه جميع فرق الضلال والشرك، ولهذا كانت تعدل ثلث القرآن. كما مر معنا، فأخلصت سورة الإخلاص الخبر عنه، وعن أسمائه وصفاته فعدلت ثلث القرآن، وخلَّصَت قارئها المؤمن بها المتدبر لها من الشرك العلمي كما مر معنا فهي مُخَلِّصَة أو مُخْلَصَة، مُخْلَصَة يعني أُخْلِصَتْ عن الشوائب لم يُذكر في هذه السورة شيءٌ يتعلق بغير الباري جل وعلا، لا بأحكامٍ شرعية ولا بذكر قصص ولا بذكر وعدٍ ووعيد ولا بأخبار يوم القيامة، ولا أخبار الأمم السالفة ولا غيرهم، وإنما أُخْلِصَت بذكر ما يتعلق بالباري جل وعلا، خَلَصَت قارئها إن اعتقد هذا المعنى وسلم بالأحدية لأنه سينتفي حتى الشرك الأكبر سواء كان في الألوهية أو في غيرها، تقول: أحدٌ يعني واحدٌ في ألوهيته، وإذا قلت ( {اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَد} ) الله يعني ماذا؟ المعبود الإله المعبود، إذًا ستتوجه إليه بالعبادة ولا تصرف العبادة لغيره جل وعلا. وفي هذه السورة الجمع بين النفي والإثبات، القاعدة الجمع بين النفي والإثبات نفي مفصل وهذا في قوله: ( {اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَد} ) . وهذه ثلاثة أسماء يعني: أُثْبِتَتْ ثلاثة أسماء، وثلاث صفات، ( {اللَّهُ} ) هذا علمٌ دل على صفةٍ وهي الألوهية، ثانيًا ( {أَحَدٌ} ) هذا علمٌ وعرفنا المراد به، ( {الصَّمَد} ) هذا علمٌ ودل على صفة، إذًا ثلاثة أعلام وثلاث صفات، ( {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ) هذا نفي مفصل، ( {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ) هذا نفي مجمل، ومرد النوعين إلى ما سبق، وفيها الإجمال في النفي، والتفصيل في الإثبات، وهذه طريقة أهل السنة والجماعة خلافًا لأهل الكلام المذموم، وتضمنت هذه السورة أنواع التوحيد الثلاثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت